الرئيسية/اقتصاد/هل تختفي وظائف المال بصمت؟ بريطانيا تكشف ملامح عصر الذكاء الاصطناعي
اقتصاد

هل تختفي وظائف المال بصمت؟ بريطانيا تكشف ملامح عصر الذكاء الاصطناعي

بدأ تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل البريطاني يظهر في مؤشرات التوظيف داخل القطاع المالي، مع تراجع فرص العمل في مهن تتضمن مهام روتينية يسهل أتمتة أجزاء منها.

ا يزال الأمر محيراً بعض الشيء، لكن بدأت تظهر اتجاهات واضحة، أولها تباطؤ وتيرة التوظيف. تصوير: بلومبرغ

بدأ تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل البريطاني يظهر في مؤشرات التوظيف داخل القطاع المالي، مع تراجع فرص العمل في مهن تتضمن مهام روتينية يسهل أتمتة أجزاء منها. ويحذر تحليل نشرته «بلومبرغ» من أن التحول قد يتجاوز المصارف وشركات التأمين، ليطال اقتصادات مدن تعتمد على الوظائف الإدارية والخدمات المالية.

ويشير الكاتب بول ج. ديفيز إلى أن الشركات البريطانية سجلت في عام 2025 انخفاضًا صافيًا في عدد العاملين بنحو 8%، عُزي تحديدًا إلى الذكاء الاصطناعي، وفق استطلاعات لأصحاب العمل أجراها «مورغان ستانلي». وكانت هذه النسبة ضعف المتوسط المسجل لدى الشركات في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وأستراليا. ويشمل الرقم أثر تقليص الوظائف، والتعيينات الجديدة، والوظائف الشاغرة التي لم تُملأ بعد مغادرة أصحابها.

لكن المؤشرات لا تعني أن الذكاء الاصطناعي وحده يقف وراء تراجع التوظيف؛ إذ تداخلت عوامل أخرى، بينها تصحيح التوظيف المفرط الذي شهدته شركات بعد جائحة كوفيد-19، والتغيرات المرتبطة بالعمل عن بُعد، وارتفاع تكاليف استقطاب الموظفين الجدد وتدريبهم.

الوظائف الروتينية في دائرة التحول

بحسب بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني التي استعرضها تحليل بلومبرغ، انخفض عدد الوظائف الشاغرة في المملكة المتحدة إلى نحو نصف مستواه عند ذروته الأخيرة في عام 2022. وكانت أكبر التراجعات في مهن أكثر تعرضًا لتأثير الذكاء الاصطناعي، من بينها المحاسبة والتحليل الاستثماري والوظائف الإدارية داخل المؤسسات المالية وإدارات التمويل في الشركات الأخرى.

ويتركز الاهتمام على الوظائف التي تعتمد على إجراءات متكررة وواضحة النتائج، مثل معالجة المعاملات، والرد على استفسارات العملاء والموظفين، ومراجعة الموافقات المتعلقة بالمخاطر، ومراقبة الأنظمة والعمليات. وهذه المهام مرشحة للاستفادة من الأتمتة، لكن إمكانية تنفيذها تقنيًا لا تعني بالضرورة اختفاء الوظائف التي تتضمنها بالكامل.

ويستشهد المقال بخطوات اتخذتها مؤسسات مالية كبرى؛ إذ أفادت بلومبرغ بأن بنك «إتش إس بي سي» يعتزم خفض عدد مستشاريه الماليين في المملكة المتحدة بنحو 70%. كما نقل المقال عن الرئيس التنفيذي لـ«جيه بي مورغان»، جيمي ديمون، قوله في يوليو/تموز إن البنك خفّض الوظائف بنسبة تراوحت بين 30% و40% في بعض المجالات، مع عرض وظائف أخرى داخل المؤسسة على معظم المتأثرين، وفق تصريحه.

وتشير أبحاث «مورغان ستانلي» التي يستند إليها المقال إلى أن الشركات تعيد تدريب عدد من الموظفين أو تنقلهم إلى وظائف أخرى أكثر مما تستغني عنهم. وهو ما يجعل قياس الأثر الفعلي للذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدًا من النظر إلى أرقام التسريح وحدها.

لماذا تواجه المدن الصغيرة مخاطر أكبر؟

تتجاوز تداعيات التحول حدود المؤسسات المالية لتصل إلى المدن التي تعتمد على مراكز الخدمات الإدارية والتشغيلية. ويعرض المقال مدنًا مثل سويندون وبورنموث وبرايتون وكارديف، حيث تشكل الوظائف الخلفية في المصارف وشركات التأمين جزءًا من النشاط الاقتصادي المحلي.

ويرى ديفيز أن فقدان الوظائف في هذه المراكز قد ينعكس على قطاعات أخرى؛ فتراجع دخل العاملين وإنفاقهم قد يضغط على المطاعم والحانات والمتاجر والأعمال المحلية، بما يفتح المجال أمام خسائر إضافية خارج القطاع المالي نفسه.

ومع ذلك، يوضح المقال أن حصة الوظائف المالية في أكثر المناطق تعرضًا تتراوح بين 5% و10% من إجمالي الوظائف، وهي نسبة أقل بكثير من اعتماد بعض مناطق التعدين البريطانية على الفحم قبل إغلاق المناجم خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. كما أن الصورة ليست سلبية بالكامل؛ إذ يخطط «جيه بي مورغان» لاستثمار أكثر من 300 مليون جنيه إسترليني في عملياته ومركزه التكنولوجي في بورنموث، بما يشمل إنشاء مكتب إضافي يتسع لما يصل إلى 1,800 موظف، رغم أن ذلك لا يعني أن جميع المقاعد ستشغلها وظائف جديدة.

ما وراء الخبر

المسألة الأساسية ليست عدد الوظائف التي قد تختفي فحسب، بل قدرة الاقتصادات المحلية على إيجاد وظائف بديلة وتطوير مهارات العاملين بالسرعة التي يتغير بها الطلب. فقد يساعد الذكاء الاصطناعي بعض المتخصصين على إنجاز أعمال أكثر قيمة بعد التخلص من المهام المتكررة، بينما قد يقلل الحاجة إلى بعض الأدوار التي تعتمد على تنفيذ تعليمات محددة أو مراجعة مخرجات الأنظمة.

وتبدو المدن الكبرى أكثر قدرة على استيعاب التحولات بفضل تنوع مؤسساتها وفرص العمل المتاحة فيها، بينما قد تواجه المدن الأصغر صعوبة أكبر إذا تركزت خسائر الوظائف في عدد محدود من القطاعات.

وتكتسب القضية أهمية إضافية للاقتصاد البريطاني؛ فالمملكة المتحدة تعتمد على صادرات الخدمات لتمويل وارداتها من السلع، وهي من أكبر الدول المصدرة الصافية لبعض الخدمات المعرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، وفق أبحاث «دويتشه بنك» التي يستشهد بها المقال. وقد تتيح التكنولوجيا لبريطانيا توسيع صادراتها إذا عززت إنتاجية العاملين، لكنها قد تضغط على هذه الميزة إذا أصبحت الخدمات المعرفية أقل كلفة وأسهل إنتاجًا باستخدام الأنظمة الذكية.

ولا تقدم هذه المؤشرات دليلًا على أن موجة واسعة من البطالة باتت حتمية؛ لكنها تبرز ضرورة متابعة التغيرات في التوظيف، والاستثمار في إعادة التدريب، والاستعداد لتفاوت آثار الأتمتة بين المناطق والمهن. وفي هذا السياق، يخلص تحليل بلومبرغ إلى أن بريطانيا تمثل حالة مهمة لمراقبة كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل خلال السنوات المقبلة.

"
“بدأ تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل البريطاني يظهر في مؤشرات التوظيف داخل القطاع المالي، مع تراجع فرص العمل في مهن تتضمن مهام روتينية يسهل أتمتة أجزاء منها. ويحذر تحليل نشرته «بلومبرغ» من أن التحول قد يتجاوز المصارف وشركات التأمين، ليطال اقتصادات مدن تعتمد على الوظائف الإدارية والخدمات المالية. ويشير الكاتب بول ج. ديفيز إلى”
— اليوم ميديا / اقتصاد

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في اقتصاد ←
حرب إيران تضع السعودية وروسيا أمام اختبار صعب في سوق النفط

حرب إيران تضع السعودية وروسيا أمام اختبار صعب في سوق النفط

لا تقتصر تداعيات الحرب على أسواق النفط على ارتفاع الأسعار أو اضطراب الإمدادات؛ فهي تضع تحالف «أوبك+» أمام اختبار اقتصادي وسياسي، يتمثل في قدرة الدول المنتجة على تنسيق سياساتها عندما تتعارض مصالحها في الإيرادات وحصص الإنتاج مع الضغوط الرامية إلى استقرار السوق العالمية. فارتفاع الأسعار الناجم عن المخاطر الجيوسياسية قد يعزز الإيرادات التي تحققها الدول

لندن - موسى مهدي
الأحد، ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
هل يقود الذكاء الاصطناعي اقتصاد أميركا إلى 44 تريليون دولار؟

هل يقود الذكاء الاصطناعي اقتصاد أميركا إلى 44 تريليون دولار؟

توقّع جاك كلارك، المؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، أن تسهم القفزات المتسارعة في قدرات هذه التكنولوجيا في إحداث تحولات واسعة في الاقتصاد والعلوم، مشيراً إلى أن نموذجاً اقتصادياً داخلياً للشركة يتوقع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي إلى 44 تريليون دولار بحلول عام 2030. وقال كلارك، خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك

لندن - اليوم ميديا
السبت، ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
طفرة الذكاء الاصطناعي تنعش دولاً وتفاقم الضغوط على أخرى

طفرة الذكاء الاصطناعي تنعش دولاً وتفاقم الضغوط على أخرى

تتسع الفجوة بين الاقتصادات المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي وتلك التي تواجه ارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض، في وقت يحذر فيه صندوق النقد الدولي من أن استمرار التوترات الجيوسياسية والديون قد يضعف آفاق النمو العالمي. وسلطت صحيفة «وول ستريت جورنال» الضوء في تقرير نشرته الخميس على التفاوت بين الدول التي تستفيد من الاستثمارات الضخمة في مراكز

لندن - اليوم ميديا
الخميس، ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
أزمة الغاز القطري.. هل تجد الدوحة طريقًا بديلًا لهرمز؟

أزمة الغاز القطري.. هل تجد الدوحة طريقًا بديلًا لهرمز؟

تواجه صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر اضطرابًا ممتدًا بسبب تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وأضرار لحقت بمنشآت إنتاج رئيسية، ومخاطر الشحن عبر مضيق هرمز، في وقت تبحث فيه الدوحة والرياض فرصًا جديدة للتعاون في خطوط نقل النفط والغاز، بما يعيد طرح سؤال أوسع عن قدرة دول الخليج على حماية صادرات الطاقة من الصدمات

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة