تدفع التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط المستثمرين الخليجيين إلى إعادة تقييم توزيع ثرواتهم بين الأسواق المحلية والخارجية، فيما تواصل العقارات البريطانية جذب اهتمام أصحاب الثروات الكبيرة، بوصفها إحدى القنوات الممكنة لتنويع الاستثمارات وتوليد دخل طويل الأجل.
وتشير نتائج «مؤشر الاستثمار الخليجي 2026»، الصادر عن بنك الريان البريطاني، إلى استمرار جاذبية السوق البريطانية للمستثمرين من دول الخليج. ووفق المؤشر، الذي استند إلى استطلاع شمل 150 مستثمراً تبلغ ثروة كل منهم 10 ملايين جنيه إسترليني على الأقل، يعتزم 99% من المشاركين ضخ استثمارات جديدة في العقارات البريطانية أو زيادة استثماراتهم الحالية خلال السنوات الخمس المقبلة، بمتوسط استثمار مخطط يبلغ 78.3 مليون جنيه إسترليني لكل مستثمر.
لكن هذه النتائج تقيس نيات المستثمرين وتوقعاتهم، ولا تعني أن هذه المبالغ استُثمرت بالفعل، كما لا تمثل إحصاءً شاملاً لجميع أصحاب الثروات في الخليج.
الحرب تعيد حسابات المخاطر
تؤثر الاضطرابات الإقليمية في قرارات الاستثمار من خلال قنوات متعددة، تشمل أسواق الطاقة والشحن والتأمين وثقة المستثمرين، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على النمو الاقتصادي والتضخم وأسعار الفائدة.
وقد تزيد هذه المخاطر أهمية تنويع الأصول جغرافياً، بحيث لا تتركز الثروة في سوق واحدة أو ترتبط بصورة مفرطة بالظروف الاقتصادية والسياسية لمنطقة بعينها. وفي هذا السياق، تمثل بريطانيا إحدى الوجهات التي يدرسها بعض المستثمرين الخليجيين، مستفيدين من اتساع سوقها العقارية وتنوع فرص الاستثمار فيها.
غير أن العلاقة بين الحرب وشراء العقارات ليست مباشرة بالضرورة؛ فتصاعد عدم اليقين قد يدفع مستثمرين إلى تسريع قرارات الشراء، بينما قد يدفع آخرين إلى تأجيلها أو الاحتفاظ بالسيولة، خصوصاً إذا ارتفعت تكاليف التمويل أو ازدادت المخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي.
وتعكس نتائج المؤشر هذا التباين. فبينما أفاد بعض المشاركين بأن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط يعزز رغبتهم في الاستثمار ببريطانيا، أشار آخرون إلى تنويع استثماراتهم خارج السوق البريطانية أو تأجيل بعض خططهم.
لندن في صدارة الاهتمام
لا تزال لندن إحدى أبرز الوجهات التي تستقطب المستثمرين الدوليين، ومن بينهم مستثمرون خليجيون. ولا يقتصر الاهتمام على العقارات السكنية الفاخرة، بل يمتد إلى التطوير العقاري وقطاع التجزئة والضيافة وغيرها من الأصول التي يمكن أن تحقق دخلاً مستمراً.
وأفاد تقرير نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» في سبتمبر (أيلول) 2026 بإتمام ثلاث صفقات لشراء مجموعات من العقارات في لندن خلال الصيف، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 80 مليون جنيه إسترليني، وشملت صفقتين لمستثمرين من الخليج في منطقة مايفير.
وتوفر هذه الصفقات أمثلة على استمرار النشاط الاستثماري الخليجي في السوق البريطانية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات حدوث موجة عامة من انتقال رؤوس الأموال بسبب حرب إيران.
كما أن تقييم الفرص العقارية يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الموقع وسمعة السوق؛ إذ تتأثر العوائد بأسعار الشراء والإيجارات وتكاليف التمويل والضرائب والتنظيمات وتقلبات سعر الصرف.
هل تكون بريطانيا ملاذاً أم مخاطرة إضافية؟
تمنح الاستثمارات الخارجية أصحاب الثروات فرصة لتوزيع المخاطر، لكنها لا تلغيها. فشراء العقارات في بريطانيا يضيف إلى المحفظة الاستثمارية تعرضاً للاقتصاد البريطاني وسوق الإسكان المحلية والجنيه الإسترليني والسياسات الضريبية والتنظيمية.
ومن هنا، فإن الرهان الخليجي على العقارات البريطانية لا ينبغي تفسيره باعتباره هروباً جماعياً من المنطقة، بل بوصفه جزءاً من قرارات متفاوتة لإدارة الثروة في ظل بيئة جيوسياسية غير مستقرة. وقد تتباين الخيارات بين شراء العقارات، والاستثمار في قطاعات أخرى، والاحتفاظ بالسيولة، تبعاً لأهداف المستثمرين وقدرتهم على تحمل المخاطر.
وتكمن المسألة الأساسية في ما إذا كانت التوترات الإقليمية ستتحول إلى عامل طويل الأجل يعيد تشكيل توزيع الاستثمارات الخليجية، أم ستبقى تأثيراتها مرتبطة بظروف مؤقتة. وستتوقف الإجابة على تطورات الحرب، وأداء الاقتصاد البريطاني، ومستوى العوائد العقارية، وكلفة التمويل، والفرص المتاحة في الأسواق الخليجية نفسها.
قد تعزز حرب إيران أهمية تنويع الاستثمارات لدى بعض أصحاب الثروات الخليجية، لكن البيانات المتاحة لا تكفي للجزم بأنها تسببت في موجة واسعة من شراء العقارات البريطانية. والمؤشر الأوضح على اتجاه السوق سيبقى الصفقات المنفذة فعلياً، لا النيات المعلنة وحدها.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *