
تشهد الساحة الخليجية في السنوات الأخيرة تحولات استراتيجية بارزة، تتسم بتنافس خفي متزايد بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، رغم مظاهر الوحدة الرسمية لدول مجلس التعاون الخليجي. وفق تقرير حصري أعدّه موقع اليوم ميديا، تؤثر هذه الخلافات بشكل مباشر على استقرار اليمن، وتعيد تشكيل حركة التجارة والاستثمار في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مما يعزز نفوذ كل دولة في المنطقة على حساب الأخرى. هذه التحولات تحمل تأثيرات كبيرة على موازين القوة الإقليمية وتستدعي متابعة دقيقة.

وفي الوقت نفسه، تشهد اليمن تحركات سياسية وعسكرية متسارعة، لا سيما مع نشاط المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يغير قواعد اللعبة ويعيد ترتيب أولويات القوى المحلية والدولية. وتلعب الموازين الجغرافية والديموغرافية، إضافة إلى العلاقات مع الرياض وأبوظبي، دوراً محورياً في تحديد سيناريوهات المستقبل السياسي والأمني للمنطقة، مما يجعل هذه التحولات محط متابعة دقيقة على المستويين الإقليمي والدولي.
يخضع الخليج العربي في السنوات الأخيرة لتغيّرات جيوسياسية واقتصادية كبيرة، حيث تتنافس القوى الإقليمية على الهيمنة والنفوذ. وعلى الرغم من الظاهر الرسمي للوحدة بين دول مجلس التعاون الخليجي، فإن الواقع السياسي يكشف عن منافسات خفية بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تمتد آثارها إلى اليمن، البحر الأحمر، والقرن الأفريقي.

يعود جذور التنافس السعودي-الإماراتي إلى أوائل القرن العشرين، بدءًا من النزاعات حول الحدود والسيطرة على الموارد. فالاتفاقيات مثل اتفاقية جدة عام 1974 أعطت للإمارات بعض الحقوق الإقليمية، لكنها لم تمنحها السيطرة الكاملة على حقل الشياح النفطي، مما أرسى أرضية للاختلافات المستمرة بين البلدين. كما أن مراجعات الخرائط ومحاولات إعادة ترسيم الحدود في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين زادت التوتر، وتوجت بفرض قيود على حركة الإماراتيين إلى السعودية في 2009.
كانت العلاقة بين الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، والأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد السعودي، في بداياتها قائمة على صداقة شخصية قوية وتوافق استراتيجي، حيث شكلت قاعدة متينة للتحالف بين البلدين في ملفات الأمن والاقتصاد والسياسة الإقليمية. إلا أن هذه العلاقة تحولت تدريجيًا مع مرور الوقت إلى صراع على النفوذ الإقليمي، خاصة في المناطق الحيوية مثل اليمن.

شهدت اليمن تصعيدًا واضحًا في التنافس بين الرياض وأبوظبي، بعد أن قامت الإمارات بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، ما أدى إلى توسيع نفوذها في محافظات استراتيجية مثل عدن وشبوة والمهرة. هذا التدخل أدى إلى تقاطعات مباشرة مع مصالح السعودية التي كانت تسعى للحفاظ على نفوذ الحكومة الشرعية، وحماية عمقها الاستراتيجي على الحدود الجنوبية.
أصبح التحالف التقليدي بين السعودية والإمارات هشًا أمام الحقائق الواقعية للصراع الإقليمي، مما يعكس حجم التحديات التي تواجه التنسيق بين البلدين على الساحة اليمنية والخليجية. ويبرز هذا التنافس كيف أن المصالح الوطنية والاستراتيجية قد تتجاوز العلاقات الشخصية، مما يجعل اليمن محورًا حاسمًا للتوازنات الإقليمية في الخليج العربي.
يمثل اليمن اليوم ساحة اختبار رئيسية للتنافس الاستراتيجي بين السعودية والإمارات، حيث تتجلى مصالح كل طرف في مناطق النفوذ المختلفة. تدعم المملكة العربية السعودية الحكومة الشرعية في عدن والمناطق المحيطة بها، بهدف حماية عمقها الاستراتيجي وضمان استقرار الحدود الجنوبية. في المقابل، تتبع الإمارات استراتيجية قائمة على توسيع نفوذها من خلال دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يمثل أداة لضمان السيطرة على الموانئ الحيوية وتأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

هذه الديناميكية المعقدة أدت إلى صدام مصالح مباشر بين الرياض وأبوظبي، خاصة مع توسع الإمارات في محافظات جنوبية مثل المهرة وعدن وشبوة، بينما تحاول السعودية موازنة الموقف عبر دعم عسكري محدود، وتدخلات دبلوماسية لاستعادة نفوذها وتأمين استقرار الحكومة الشرعية. ويعكس هذا الصراع الإقليمي مدى حساسية الوضع اليمني وأهميته كمحور استراتيجي في الجزيرة العربية، مما يجعله مركزًا للتنافس على النفوذ الإقليمي بين القوى الخليجية الكبرى.
توسعت المنافسة السعودية-الإماراتية إلى السودان والبحر الأحمر، حيث دعمت أبوظبي قوات الدعم السريع لتعزيز نفوذها، بينما تتماشى السعودية مع الحكومة المركزية. هذه التنافسات الجغرافية تظهر كيف أن الاستراتيجية الإماراتية تعتمد على الوكلاء العسكريين والسيطرة على الموانئ، بينما تفضل السعودية الأساليب الدبلوماسية والحكومات المرنة.
تبلورت علاقة سعودية-قطرية جديدة في ظل هذه المنافسة، خاصة بعد زيارة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر إلى الرياض ورئاسة مجلس التنسيق القطري-السعودي. الاتفاق الدفاعي ومشروع السكك الحديدية عالية السرعة بين الرياض والدوحة يشيران إلى محاولة الرياض لتقليل الاعتماد على الشراكة الإماراتية، وخلق محور مضاد يحمي مصالحها ويوازن النفوذ الإقليمي، وفق محللين.

يمتد التنافس السعودي-الإماراتي إلى القطاعات الاقتصادية الحيوية، بما في ذلك الطاقة، النقل الجوي، والخدمات اللوجستية، التي تُعدّ محركات رئيسية للنفوذ الإقليمي. فقد رفضت الإمارات تخفيض إنتاجها النفطي في إطار اتفاق أوبك+ الذي تقوده السعودية، في خطوة تعكس سعيها للحفاظ على حصتها السوقية وتعزيز تأثيرها الاقتصادي.

كما يتواصل الصراع في قطاع الطيران، حيث تتنافس شركات مثل ‘الرياض للطيران’ وطيران الإمارات على الهيمنة الإقليمية، ما يعكس رغبة كل دولة في ترسيخ موقعها كمركز اقتصادي ولوجستي رئيسي في الخليج والشرق الأوسط. وتعكس هذه المنافسات الاقتصادية أبعاد النفوذ السياسي والاستراتيجي، حيث تصبح القوة الاقتصادية أداة لإعادة رسم موازين القوى بين الدولتين.
يلعب صعود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب تأثير الشخصيات البارزة في الرياض وأبوظبي، دورًا محوريًا في تشكيل ديناميات التحالفات الخليجية والإقليمية. فقد أثارت طموحات محمد بن سلمان ورؤيته القيادية المخاوف في الأوساط الإماراتية، التي تراها أحيانًا تحديًا لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

وتعكس التجارب السابقة، مثل حصار قطر عام 2017، مدى تأثير العلاقات الشخصية والقرارات الفردية على السياسة الإقليمية، حيث يمكن لمواقف زعماء دول الخليج أن تعيد رسم التحالفات وتعيد ترتيب الأولويات الاقتصادية والسياسية في المنطقة بأسرها.
يشهد الخليج اليوم انقسامًا استراتيجيًا يتشكل على أساس كتلتين متنافستين، حيث تعمل الإمارات على إعادة تشكيل الديناميات التجارية والأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مستفيدة من نفوذها الاقتصادي والعسكري لتوسيع رقعة تأثيرها الإقليمي.

في المقابل، يشكل التحالف السعودي-القطري محورًا مضادًا مؤقتًا، يهدف إلى مواجهة التوسع الإماراتي والحفاظ على توازن القوى الإقليمي. وتعتمد هذه المعادلة الهشة على التفاعلات المعقدة بين المصالح الاستراتيجية لكل دولة، الحدود الجغرافية، ودور القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تظل لاعبًا محوريًا في صياغة السياسات الإقليمية وتوجيه التحالفات بما يضمن مصالحها في الخليج والشرق الأوسط.
رغم التوترات المستمرة، من غير المرجح أن يحدث انفصال كامل بين السعودية والإمارات، إذ تُدار المنافسة بينهما بعناية لتجنب أي أزمات كبرى.
ويشير خبراء إلى أن العلاقة مع الولايات المتحدة تظل العامل الحاسم في ضبط هذا التنافس، حيث توفر واشنطن إطارًا استراتيجيًا يوازن النفوذ ويضمن استمرار الاستقرار النسبي في الخليج.

على الرغم من التنافس الاستراتيجي الإقليمي، تظل الإمارات فاعلًا إيجابيًا في الخليج واليمن على الصعيد الاقتصادي والإنساني. فقد لعبت دورًا مهمًا في دعم مشاريع البنية التحتية والاستثمارية في عدد من دول المنطقة، وأسهمت في تعزيز التجارة البحرية والخدمات اللوجستية بين الخليج واليمن. كما تواصل الإمارات تقديم مساعدات إنسانية واسعة النطاق للسكان المتضررين من النزاعات في اليمن، بما في ذلك توفير الغذاء والمياه والرعاية الطبية، ما يعكس التزامها بالاستقرار الإقليمي وتحسين حياة المدنيين، بعيدًا عن أي صراعات سياسية.

يستمر الخليج العربي في التحول الديناميكي، حيث تتغير التحالفات والتوازنات بشكل مستمر. المنافسة بين السعودية والإمارات تتجاوز مجرد صراع على النفوذ، لتصبح جزءًا من إعادة ترتيب استراتيجي أوسع يعكس تحولات القوى في الشرق الأوسط. وتمتد تداعيات هذه المنافسة لتشمل اليمن والسودان وممرات البحر الأحمر الحيوية، مما يحدد مسار السياسة الإقليمية ويشكل المشهد الاقتصادي والاستراتيجي للمنطقة لسنوات مقبلة، ويستدعي متابعة دقيقة من القوى الإقليمية والدولية على حد سواء.
ملاحظة: هذا التقرير يعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا يمثل بالضرورة وجهة نظر موقع اليوم ميديا.

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]