
لا يمكن فهم أزمة الجنوب اليمني بوصفها انعكاسًا مباشرًا لتطورات الحرب الأخيرة، إذ تكشف مراجعة مسارها التاريخي عن تراكُم طويل لعوامل سياسية واقتصادية وأمنية متداخلة. فمنذ الحقبة الاستعمارية البريطانية في عدن وجنوب اليمن، تشكّلت بنى إدارية واقتصادية منفصلة، خلّفت اختلالات هيكلية استمر تأثيرها حتى ما بعد قيام الدولة اليمنية الموحدة.
في هذا التحقيق، تفكك «اليوم ميديا» جذور الأزمة، وتتبع تشكّل الفاعلين المحليين، وتفحص طبيعة الأدوار الإقليمية، وتقاطعات المصالح التي أسهمت في إعادة إنتاج الصراع في الجنوب اليمني، وسط تساؤلات مفتوحة حول مستقبل المنطقة وإمكانات التسوية المستدامة.
مع توحيد اليمن في 22 مايو 1990، وُجدت فجوة واضحة بين الجنوب والشمال، إذ شعر الجنوبيون بأن الوحدة فرضت عليهم، وأن مواردهم ومكتسباتهم التاريخية تم تجاهلها أو مصادرتها. أدى هذا الشعور بالغبن إلى اندلاع حرب 1994 التي انتهت بسيطرة الشمال على الجنوب، وبدأت مرحلة تهميش الجنوب سياسيًا واقتصاديًا.
الوحدة اليمنية كانت محاولة لتوحيد بلدين كانا مختلفين تاريخياً وسياسياً. الجنوب، الذي سبق أن خضع للاستعمار البريطاني، امتلك مؤسسات إدارية مستقلة ومكتسبات اقتصادية وحقوقية، بينما الشمال اليمني اعتمد على نظام قبلي مركزي. هذه الفوارق خلقت اختلالًا في السلطة والتمثيل السياسي بعد الوحدة، وأدت إلى شعور الجنوبيين بأنهم محرومون من حقوقهم الأساسية.
بعد حرب 1994، غادر العديد من القيادات الجنوبية ومدراء الدولة مدن الجنوب، ما أدى إلى ضعف البنية الإدارية الجنوبية وزيادة السيطرة الشمالية على الموارد والمناصب الحيوية. يرى المحللون أن هذه الهزيمة كانت العامل الأساسي الذي أعطى الشرعية للحراك الجنوبي الحديث، وساهم في ظهور فكر الانفصال والاستقلال الذاتي.

في أوائل الألفية الجديدة، بدأ الحراك الجنوبي كحركة سلمية مطالبة بحقوق الجنوبيين المشروعة، مثل تمثيل سياسي أفضل والحفاظ على الموارد المحلية والمطالبة بمزيد من الاستقلالية الإدارية.
تسيطر قوات المجلس الانتقالي الجنوبي (STC) الآن على جميع المحافظات الثماني التي كانت تُشكّل جنوب اليمن سابقًا، في خطوة تمثل انتكاسة كبيرة للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، المنافس الإقليمي للإمارات. ويشير تقرير صحيفة الغارديان إلى أن هذا التوسع يعزز قدرة المجلس على فرض نفوذه الميداني والسياسي، ويزيد من احتمالات المطالبة بالاستقلال أو الحكم الذاتي الموسع للجنوب.
تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي في 11 مايو 2017 كتنظيم سياسي يحمل طموحات انفصالية في جنوب اليمن، وحظي منذ البداية بدعم مالي وعسكري من الإمارات العربية المتحدة. هذا الدعم مكّن المجلس من توسيع سيطرته على محافظات استراتيجية مثل عدن وحضرموت، وتشكيل قوة محلية قادرة على فرض وجودها الميداني والسياسي، بما في ذلك نشر القوات في مناطق لم تكن تحت سيطرته سابقًا.
شهدت الأسابيع الأخيرة دخول ما يصل إلى 10,000 جندي من قوات المجلس الانتقالي الجنوبي إلى محافظة حضرموت الغنية بالنفط، ثم إلى محافظة المرة الأقل كثافة سكانية والمجاورة لسلطنة عمان. وقد اعتُبرت هذه الخطوات بمثابة تحقيق أول سيطرة كاملة على الجنوب منذ الوحدة اليمنية عام 1990. وعند محاولة سلطنة عمان منع دخول قوات المجلس إلى أراضيها، اضطرت في نهاية المطاف للتراجع، ما يعكس قوة النفوذ العسكري والسياسي للمجلس الانتقالي.
رغم الدعم الإماراتي، يواجه المجلس الانتقالي معارضة من فصائل جنوبية أخرى، ما قد يؤدي إلى صراعات داخلية مستقبلية تزيد من هشاشة الوضع السياسي في الجنوب، وتزيد من تأثير النفوذ الإقليمي على القرار المحلي.
الإمارات تبدي اهتمامًا شديدًا بالجنوب اليمني، خصوصًا الموانئ الحيوية والموارد الاقتصادية، وتعتبر الجنوب قاعدة استراتيجية لتعزيز نفوذها الإقليمي. دعم الإمارات يشمل التدريب العسكري، التمويل، وتزويد القوات الجنوبية بالمعدات العسكرية.
السعودية تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، مع التركيز على مواجهة الحوثيين في الشمال والحفاظ على وحدة اليمن. لكن الخلافات بين السعودية والإمارات حول إدارة الجنوب جعلت التحالف العربي في اليمن هشًا، وزادت التعقيدات السياسية.
رغم عدم التدخل المباشر، تراقب إسرائيل المنطقة عن كثب، وتهتم بأمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، خصوصًا مع تصاعد تهديدات الحوثيين على السفن التجارية. التدخلات الغربية مرتبطة أيضًا بمراقبة انتشار الإرهاب والأسلحة في الجنوب.

الإخوان المسلمين، عبر حزب الإصلاح، يمثلون الداعم الأساسي للحكومة اليمنية الشرعية، ويعارضون الانفصال الجنوبي. يسعى الحزب إلى تعزيز النظام الفيدرالي وتوسيع نفوذه في الجنوب، لكنه يواجه صعوبة في مواجهة النفوذ الإماراتي والمجلس الانتقالي، ما يزيد من توتر البيئة السياسية في اليمن.
أزمة الجنوب اليمني تمثل صراعًا متعدد الطبقات بين التاريخ، السياسة، والاقتصاد، مع تدخل مباشر وغير مباشر للأطراف الإقليمية والدولية. الحل المستقبلي يتطلب استراتيجية متوازنة تأخذ بعين الاعتبار مصالح كافة الأطراف المحلية والإقليمية، وتحافظ على الوحدة اليمنية والاستقرار الاجتماعي والسياسي.
إعداد: مازن الحضرمي – باحث في الشؤون السياسية اليمنية

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]