
كشفت صحيفة بريطانية، في تحليلٍ معمّقٍ للباحث المتخصص في شؤون الأمن الإقليمي الدكتور أندرياس كريج، أن الضربة السعودية على ميناء المكلا لم تكن حادثًا عسكريًا معزولًا، بل جاءت تتويجًا لسنواتٍ من التوترات المتراكمة بين الرياض وأبوظبي، بشأن رؤيتهما المتباينة لمستقبل اليمن، وحدود النفوذ الإقليمي لكلٍّ منهما في جنوب البلاد والممرات البحرية الاستراتيجية.
وفي مقالٍ نشره كريج في صحيفة ميدل إيست آي (Middle East Eye) البريطانية، أوضح الأستاذ المشارك في الدراسات الدفاعية بكلية كينغز كوليدج لندن، والمستشار في شؤون المخاطر الاستراتيجية في الشرق الأوسط، أن الهجوم السعودي غير المسبوق على ميناء المكلا لم يكن مجرد ضربة عسكرية محدودة، بل رسالة سياسية وأمنية مباشرة إلى أبوظبي، تعكس نفاد صبر الرياض إزاء التحركات الإماراتية في جنوب اليمن، ولا سيما دعمها المتزايد لقوى انفصالية تعمل على فرض أمر واقع جديد على الأرض.
قبيل منتصف ليل يوم الاثنين بقليل، أصدرت السعودية إشعارًا رسميًا عبر القنوات الحكومية، دعت فيه المدنيين إلى إخلاء المنطقة المحيطة بميناء المكلا، معتبرة أن كل ما سيصل إلى الشاطئ في شرق اليمن بات يشكل “تهديدًا وشيكًا”. وبعد ساعات قليلة، كانت المركبات المدرعة تتدحرج على منحدرات السفن الراسية في الميناء.
ووفقًا لمسؤولين سعوديين ويمنيين، وصلت سفينتان إلى المكلا قادمتان من ميناء الفجيرة على الساحل الإماراتي، بعد أن أوقفتا أنظمة التتبع الخاصة بهما، قبل تفريغ مركبات قتالية وأسلحة كانت مخصصة للمجلس الانتقالي الجنوبي، الحركة الانفصالية المدعومة من الإمارات، والتي أمضت الأسابيع الماضية في توسيع نطاق سيطرتها عبر جنوب اليمن.
في فجر يوم 30 ديسمبر، شنت الطائرات السعودية غارات على ميناء المكلا، وصفتها الرياض بأنها عملية “محدودة”، صُممت بعناية لتجنب وقوع إصابات جماعية، لكنها كانت في الوقت نفسه صاخبة بما يكفي ليُسمع صداها في أبوظبي. وأظهرت وسائل الإعلام الحكومية اليمنية تصاعد أعمدة الدخان فوق الأرصفة، ومركبات محترقة بالقرب من الواجهة البحرية.
وردّ رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، رشاد العليمي، بمطالبة القوات الإماراتية بمغادرة البلاد خلال 24 ساعة، كما ألغى اتفاقًا دفاعيًا مع دولة الإمارات وفرض قيودًا طارئة على الموانئ والمعابر. وفي المقابل، استخدمت السعودية لغة غير مألوفة في خطابها تجاه دولة خليجية، مؤكدة أن أمنها القومي “خط أحمر”، وأن الخطوات الإماراتية في اليمن “خطيرة للغاية”.
بعد ساعات من الضربة السعودية، أعلنت الإمارات أنها ستسحب أفرادها العسكريين من اليمن، وستنهي ما تبقى من وجودها في مهام “مكافحة الإرهاب” بمحض إرادتها. ورغم هذا الإعلان، يرى كريج أن القرار الإماراتي كان أقرب إلى خطوة تكتيكية منه إلى تحول استراتيجي حقيقي.
ويؤكد أن ما جرى في المكلا لم يكن في جوهره خلافًا حول شحنة أسلحة واحدة، بل كان أوضح إشارة حتى الآن إلى أن الخطوط الحمراء السعودية في اليمن قد تم تجاوزها، وأن صبر المملكة، بعد عقد من الحرب الطاحنة والتسويات غير المستقرة، بات ينفد بشكل ملحوظ.
لفهم دوافع الرياض في اتخاذ خطوة استثنائية تمثلت في ضرب ميناء ظل لسنوات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، يشير كريج إلى ضرورة النظر إلى ما هو أبعد من الميناء نفسه، والتدقيق في رؤيتين خليجيتين متنافستين لمستقبل اليمن.
تشكلت السياسة السعودية في اليمن خلال السنوات الأخيرة بفعل الصدمة بقدر ما تشكلت بفعل الاستراتيجية. فقد تحولت الحملة العسكرية التي أُطلقت عام 2015 إلى درس مكلف حول حدود الإكراه العسكري السعودي. ومنذ ذلك الحين، سعى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إعادة صياغة دور المملكة كقوة تسعى إلى شراء الاستقرار عبر الدبلوماسية والاستثمار وخفض التصعيد الإقليمي.
وقد تجلى هذا التوجه في إنهاء الحصار المفروض على قطر عام 2021، واستعادة العلاقات مع إيران عام 2023، ضمن مسعى أوسع لخفض التوتر الإقليمي وتمكين الرياض من التركيز على تحولها الاقتصادي الداخلي. وفي اليمن، تُرجم هذا التحول إلى ضبط النفس والانخراط السياسي، حيث توجهت السعودية إلى مسقط للحفاظ على قناة مفتوحة مع الحوثيين، مراهنة على دور سلطنة عُمان كوسيط هادئ قادر على تحويل وقف إطلاق النار إلى مسار سياسي يسمح للمملكة بالتراجع دون أن يتحول اليمن إلى تهديد أمني أكبر على حدودها الجنوبية.
وبالنسبة للرياض، وعلى عكس أبوظبي، فإن اليمن ليس رقعة شطرنج للمناورة الجيوسياسية، بل فناء خلفي ترتبط به اعتبارات أمنية واجتماعية وتاريخية لا يمكن تجاهلها.
في المقابل، تختلف الثقافة الاستراتيجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وكذلك أهدافها الإقليمية. فقد بنت أبوظبي دورها الإقليمي عبر شبكة معقدة من الشركاء غير التقليديين، تشمل ميليشيات ووسطاء وممولين خاصين ورجال أقوياء محليين وشركات لوجستية، في نموذج يعتمد على المرونة والمعاملات بدل الهياكل الهرمية الصلبة.
وفي اليمن، تركز هذا النهج على الجنوب، حيث لم يكن المجلس الانتقالي الجنوبي مجرد فصيل “مدعوم” من الإمارات، بل جرى احتضانه ضمن منظومة متكاملة تضم قيادة سياسية وقوات أمنية وشبكات رعاية، مكّنته من العمل كشبه دولة متماسكة، مغلفة بخطاب انفصالي جنوبي قوي.
يرى كريج أن ضربة المكلا تمثل رسالة استراتيجية بقدر ما هي عملية عسكرية. فقد أرادت السعودية التأكيد على أنها، بعد سنوات من محاولات التوفيق، مستعدة لإعادة فرض الإكراه المعاير للدفاع عن مصالحها الأساسية، حتى في مواجهة حليف خليجي.
غير أن التحليل يحذر من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تعميق الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بما يمنحهم أفضلية استراتيجية غير مباشرة، في لحظة إقليمية تتسم بهشاشة طرق التجارة البحرية وتصاعد المخاطر الأمنية.

في عالم يشهد أزمات متلاحقة على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والبيئية، يقف المثقف العربي أمام سؤال وجودي وعميق: ما هو دوره الحقيقي في مواجهة هذه التحديات؟ هل هو مجرد مراقب ومفسر للواقع، أم أنه فاعل يستطيع إحداث تغييرات ملموسة؟ هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة لحياة المجتمعات العربية ومستقبلها. الأزمات الاقتصادية: حين يصبح [...]

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع التصريحات السياسية مع الحسابات العسكرية، مما يرفع منسوب القلق العالمي. فبينما يقلل دونالد ترامب من صعوبة إعادة فتح مضيق هرمز في حال إغلاقه أو تعطيله، يرى محللون عسكريون واستراتيجيون أن هذا الطرح يتجاهل تعقيدات ميدانية وسياسية تجعل أي تحرك أمريكي محفوفًا بمخاطر التصعيد واسع النطاق، وربما الانزلاق إلى مواجهة [...]

في لحظة توتر غير مسبوقة، تدقّ الصحافة البريطانية ناقوس الخطر بشأن مستقبل الشرق الأوسط، محذّرة من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تعيد رسم موازين القوى وتدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الانهيار. في افتتاحيتها، ترسم صحيفة الإندبندنت صورة قاتمة لمشهد يتصاعد بسرعة، معتبرة أن الولايات المتحدة فتحت ما يشبه “صندوق باندورا” في المنطقة، في [...]

في لحظةٍ تختلط فيها السياسة بالوهم، وتتصادم فيها السرديات مع الوقائع، يقف دونالد ترامب أمام واحدة من أكثر لحظاته تعقيدًا منذ دخوله عالم السياسة. فالرجل الذي بنى مسيرته على تحويل التصورات إلى “حقائق”، يجد نفسه اليوم في مواجهة حرب لا تخضع لقواعد الخطاب، ولا تنحني لقوة التكرار. منذ اندلاع المواجهة مع إيران، لم يتردد ترامب [...]

في لحظة إقليمية مشبعة بالتوترات والتحولات المتسارعة، برزت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كمسرح لحدث دبلوماسي لافت، قد لا يقتصر تأثيره على مسار الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، بل يمتد ليؤسس لتوازنات جديدة تعيد رسم ملامح المنطقة. ففي اجتماع بدا للوهلة الأولى اعتياديًا، اجتمع وزراء خارجية أربع دول محورية—مصر، السعودية، تركيا، وباكستان—لكن ما جرى خلف الأبواب [...]

في لحظةٍ تبدو فيها خرائط العالم ثابتة على الورق، تتحرك على أرض الواقع خطوط خفية ترسم ملامح القوة والنفوذ. وفي قلب هذه الخطوط، يبرز مضيق باب المندب بوصفه أحد أكثر النقاط حساسية في النظام الاقتصادي العالمي، حيث لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات، لكنه يتحكم في مصير مليارات الدولارات من التجارة العابرة يوميًا. هذا المضيق الذي [...]