
دخلت قطر في مسار دبلوماسي حساس لتتوسط بين أكبر دولتين خليجيتين حليفتين، السعودية والإمارات، في محاولة تهدف إلى تهدئة التوتر المتصاعد على الساحة اليمنية والإقليمية. تأتي هذه الخطوة في وقت بالغ الأهمية، بعد سلسلة من التطورات العسكرية والسياسية في جنوب اليمن، أبرزها الغارة السعودية على ميناء المكلا والتصعيد الإماراتي عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي.
ويتساءل المحللون: هل تنجح الوساطة القطرية في إعادة الثقة بين الحليفتين وإعادة الاستقرار الإقليمي، أم أن التباينات الاستراتيجية بين الرياض وأبوظبي ستظل حجر عثرة أمام أي اتفاق؟
على مدار السنوات الماضية، شكلت اليمن ساحة اختبار لاستراتيجيات التحالف الخليجي بقيادة السعودية والإمارات. فقد سعت الرياض للحفاظ على وحدة اليمن ومؤسسات الدولة، بينما اتبعت أبوظبي نهجًا أكثر مرونة يركز على تحالفات محلية لدعم المجلس الانتقالي الجنوبي.
هذا الاختلاف في الاستراتيجية أدى إلى تصاعد الاحتكاك بين الطرفين، مع ظهور فجوات في الثقة الاستراتيجية بينهما. وقد لعبت هذه الفجوات دورًا رئيسيًا في تعقيد إدارة الأزمة اليمنية، وظهرت بشكل واضح في الخلافات على العمليات العسكرية والقرارات السياسية المتعلقة بالجنوب اليمني.
بالإضافة إلى ذلك، أثرت التغيرات الإقليمية والدولية على مسار الأزمة، بما في ذلك التدخلات الدبلوماسية من قطر، التي سعت على مدى السنوات الماضية لفتح قنوات حوار بين الدول الخليجية لتقليل احتمالات التصعيد العسكري.
قام أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بإجراء سلسلة اتصالات هاتفية مع كل من ولي عهد السعودية، الأمير محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد، بهدف فتح قنوات تواصل مباشرة وإعادة بناء الثقة بين الحليفتين.
وفق مصادر دبلوماسية، تهدف الوساطة القطرية إلى وضع إطار تفاهم يقلل من التصعيد العسكري في اليمن ويفتح الباب أمام الحوار السياسي بين جميع الأطراف المعنية. وتشمل هذه المبادرات تقديم ضمانات للتعاون المستقبلي، وتحديد قواعد واضحة للتدخلات العسكرية، مع التركيز على أهمية الحفاظ على وحدة اليمن ومؤسسات الدولة.
كما تضمنت جهود الوساطة تقييم المخاطر الإقليمية، بما في ذلك تأثير التصعيد على الاستقرار الخليجي، الأمن البحري، وأسعار النفط، وهي عناصر حيوية تؤثر على مصالح السعودية والإمارات بشكل مباشر.
في أواخر ديسمبر 2025، شنت السعودية غارة على ميناء المكلا استهدفت شحنة أسلحة وصلت من الإمارات لدعم المجلس الانتقالي الجنوبي. اعتبرت الرياض العملية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، فيما رأت الإمارات أن الغارة تجاوزت حدود التنسيق ضمن التحالف العربي.
كانت الغارة بمثابة رسالة واضحة من الرياض حول خطوطها الحمراء تجاه التدخلات الخارجية في الجنوب، وأدت إلى تراجع جزئي في التعاون العملياتي بين الحليفين. كما أثارت الغارة تساؤلات واسعة حول قدرة التحالف الخليجي على إدارة الخلافات الداخلية دون تصعيد التوتر على الأرض.
هذه الواقعة سلطت الضوء على مدى تعقيد الوضع اليمني، حيث تتشابك المصالح الإقليمية مع التحالفات المحلية، ما يزيد من صعوبة الوصول إلى اتفاق سياسي مستدام.
التوتر بين السعودية والإمارات ليس مجرد نزاع على اليمن، بل يعكس تباينًا أعمق في رؤيتهما الإقليمية. فبينما تركز السعودية على وحدة اليمن وسلامة مؤسسات الدولة، تسعى الإمارات إلى تعزيز نفوذها عبر دعم شبكات محلية مستقلة وشبه دولة في الجنوب.
ويضاف إلى ذلك التحديات الاقتصادية، وقضايا النفط، والنفوذ في مناطق أخرى مثل السودان والقرن الأفريقي، مما يجعل إدارة الأزمة أكثر تعقيدًا ويزيد من أهمية الوساطة القطرية.
إلى جانب ذلك، يعكس الخلاف اختلافاً في الرؤى حول كيفية التعامل مع إيران، دور الولايات المتحدة في الخليج، وتأثير صراعات اليمن على الاستقرار الإقليمي. كل هذه العوامل تجعل الوساطة القطرية أكثر أهمية وضرورة، حيث يمكن أن تمثل فرصة لإعادة توازن العلاقات الخليجية.
تراقب الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي التطورات عن كثب، معتبرة أن أي تصعيد عسكري إضافي قد يعقد جهود السلام في اليمن ويهدد استقرار الخليج.
كما أبدت بعض القوى الدولية استعدادها لدعم أي مسعى دبلوماسي يعيد التوازن بين الحلفاء الخليجيين، ويقلل من مخاطر الانقسام داخل التحالف العربي. تشمل هذه الجهود تقييم المخاطر على الأمن البحري، التجارة العالمية، واستقرار أسواق النفط، وهي كلها عناصر تؤثر بشكل مباشر على مصالح الدول الغربية في المنطقة.
يمكن أن تؤدي الوساطة القطرية إلى نتائج إيجابية إذا نجحت في إعادة فتح قنوات الحوار المباشر بين السعودية والإمارات، وتحديد حدود واضحة للتدخلات العسكرية في اليمن. وفي هذه الحالة، قد تسهم الوساطة في:
وفي المقابل، قد تفشل هذه الجهود إذا استمرت الفجوة الاستراتيجية بين الحليفين دون معالجة، مما قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد العسكري والسياسي على الساحة اليمنية والإقليمية، وتأجيج الخلافات الإقليمية وتهديد مصالح الأمن الإقليمي.
تاريخ التحالفات الخليجية يظهر أن العلاقات بين الدول الكبرى في المنطقة ليست ثابتة، بل تخضع لمعادلات القوة والمصالح المتغيرة. وقد أظهرت السنوات الماضية أن أي تقارب دبلوماسي ناجح يحتاج إلى إدارة دقيقة للتوازن بين المصالح الاقتصادية، الأمنية، والسياسية، مع مراعاة الأبعاد الإقليمية والدولية للأزمات.
تعكس التجارب السابقة أهمية الوساطة المبنية على الحوار المباشر، وتجنب الصراعات المفتوحة التي تؤدي إلى ضعف التحالفات وتفاقم الأزمات المحلية والإقليمية.
تمثل وساطة أمير قطر فرصة نادرة لتخفيف التوتر بين السعودية والإمارات وإعادة الاستقرار إلى اليمن. النجاح يعتمد على استعداد الطرفين لقبول إطار تفاهم واضح، وإعادة بناء الثقة على أساس المصالح المشتركة.
وفي حال فشل الوساطة، قد يشهد الخليج تصعيدًا مفتوحًا يطال الأمن الإقليمي والمصالح الاقتصادية، ويعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
كما يشكل نجاح الوساطة اختبارًا لقدرة الدول الخليجية على تجاوز خلافاتها الداخلية من أجل الحفاظ على استقرار اليمن والمنطقة بشكل عام، وهو ما قد يكون له تأثير بعيد المدى على السياسات الإقليمية والتحالفات الدولية.
دبي – محمد فال معاوية

لم تشكّل أحداث مثل حرب «طوفان الأقصى»، و«حرب الإسناد»، وسقوط النظام السوري مجرد صراعات عسكرية ضخمة فحسب، بل كانت أيضًا زلزالًا أيديولوجيًا، إذ انهارت السرديات الراديكالية التي هيمنت لعقود على المنطقة. الإخوانية السنية ممثلة بحركة «حماس» أصيبت بضربة قوية، شاركتها فيها مأساة القضية الفلسطينية التي أعادت قراءة الإيديولوجيا الإسلامية، بينما تعرضت الشيعية الراديكالية، ممثلة بـ«حزب [...]

قبل أن تبدأ الحرب الروسية على أوكرانيا، كانت المؤشرات الاستخباراتية الأمريكية والبريطانية تشير بوضوح إلى أن فلاديمير بوتين يخطط لغزو شامل. على الرغم من أن هذه التحذيرات كانت دقيقة، إلا أن العديد من الدول الأوروبية، وحتى الحكومة الأوكرانية نفسها، لم تصدقها في البداية، معتبرة أن احتمال نشوب حرب واسعة في القرن الحادي والعشرين أمر بعيد [...]

في مدينة الفاشر، حيث كانت الحياة تسير يومًا بإيقاعها المعتاد، تحولت الشوارع إلى مسرح لمشاهد يصفها ناجون بأنها «ثلاثة أيام من الرعب». تحقيق دولي جديد ألقى الضوء على ما حدث هناك، مثيرًا سؤالًا ثقيلًا: هل شهدت المدينة واحدة من أخطر الجرائم الجماعية في النزاع السوداني؟ التحقيق الصادر عن الأمم المتحدة خلص إلى أن الهجمات التي [...]

في ظاهر المشهد الخليجي تبدو التوازنات مستقرة؛ تحالفات قائمة، واقتصادات صاعدة، وتنسيق أمني لا يزال يعمل تحت مظلة واحدة. لكن خلف هذا الهدوء النسبي، تتشكل دينامية جديدة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، دينامية لا تقوم على القطيعة ولا على التحالف الكامل، بل على ما يسميه بعض المراقبين «المنافسة المُدارة»، وهي حالة وسطى تعيد [...]

في الحروب، كثيرًا ما تختلط الروايات بالذاكرة، ويصعب التمييز بين ما هو موثّق وما يبقى عالقًا في شهادات من عاشوا الجحيم. لكن بعض القصص تظل قادرة على إثارة الصدمة حتى بعد مرور عقود، لأنها لا تتحدث فقط عن المعارك، بل عن الجانب الأكثر قتامة في الطبيعة البشرية. هكذا تعود إلى الواجهة روايات مرتبطة بحصار سراييفو [...]

في القاعة الكبرى التي تحتضن القمة السنوية لـ الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، لا تبدو الأحاديث الجانبية أقل أهمية من الكلمات الرسمية على المنصة. فخلف الملفات التقليدية المتعلقة بالتنمية والأمن ومكافحة الإرهاب، يخيّم سؤال غير معلن على أروقة القمة: هل أصبح القرن الأفريقي امتدادًا لتنافس جيوسياسي قادم من الخليج؟ خلال السنوات الأخيرة، تحوّلت منطقة القرن [...]