
لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مجرد تطور أمني أو حدث قضائي عابر في سياق الصراع الطويل بين واشنطن وكاراكاس، بل شكّل لحظة مفصلية أعادت فتح أحد أكثر الأسئلة حساسية في النظام الدولي المعاصر: ما الذي تبقى من مفهوم سيادة الدول في عالم القوة؟
فمع إعلان الولايات المتحدة تولّيها إدارة المرحلة الانتقالية في فنزويلا بعد عملية عسكرية خاطفة انتهت بنقل مادورو وزوجته إلى نيويورك، انتقل المشهد من منطق العقوبات والضغط الدبلوماسي إلى منطق التدخل المباشر، بما يحمله ذلك من تداعيات قانونية وسياسية وجيوسياسية تتجاوز حدود فنزويلا إلى بنية النظام الدولي نفسه.
ووفقاً لخبراء القانون الدولي، فإن العملية تمثّل سابقة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، إذ تتدخل قوة عظمى مباشرة في إدارة شؤون دولة ذات سيادة، مما أثار جدلاً واسعاً حول الحدود القانونية والسياسية لمفهوم السيادة الوطنية.
اللافت في هذه الخطوة أنها لم تُقدَّم بوصفها حرباً تقليدية، ولا انقلاباً عسكرياً معلناً، بل كعملية “إنفاذ قانون” عابرة للحدود، وهو توصيف يثير جدلاً عميقاً حول استخدام القانون الدولي كأداة سياسية، وحول قدرة القوى الكبرى على إعادة تعريف الشرعية متى ما توافقت مع مصالحها الاستراتيجية، وعلى رأسها النفط، النفوذ الإقليمي، وموازين الصراع مع الصين وروسيا.
بينما انقسم العالم بين من يرى في اعتقال مادورو نهايةً لنظام متهم بالفساد وتهريب المخدرات وتجاهل الاحتياجات الأساسية لمواطنيه، ومن يعتبره سابقة خطيرة تمهّد لعودة منطق الوصاية الإمبريالية، تبدو فنزويلا اليوم مختبراً مفتوحاً لسؤال أعمق: هل نشهد تحولاً في قواعد اللعبة الدولية، بحيث تُستبدل سيادة الدول بمنطق “الإدارة المؤقتة” تحت مظلة القوة؟
اعتُبر توصيف العملية الأمريكية باعتبارها “إنفاذاً للقانون” خطوة مثيرة للجدل، إذ يرى العديد من خبراء القانون الدولي أنها تنتهك المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة العسكرية ضد الدول الأخرى. ووفقاً للمحامي الدولي البارز جيفري روبرتسون، فإن الهجوم على فنزويلا يمكن اعتباره جريمة عدوان — وهي جريمة وصفتها محكمة نورمبرغ بأنها من أخطر الجرائم على الإطلاق.
كما أن نقل الرئيس وزوجته بالقوة إلى الولايات المتحدة دون موافقة حكومة كاراكاس يثير جدلاً قانونياً واسعاً حول سيادة الدولة وحقّها في إدارة شؤونها الداخلية دون تدخل خارجي، ما يفتح باب التساؤل حول حدود تطبيق القانون الدولي وكيفية تفسيره بما يخدم أهدافاً سياسية.
فنزويلا، الدولة الغنية بالموارد النفطية الهائلة، تشكل اليوم ساحة اختبار للصراعات الجيوسياسية بين واشنطن ومنافسيها الاستراتيجيين، لا سيّما موسكو وبكين. اعتقال مادورو وتحكم الولايات المتحدة في المرحلة الانتقالية يعطي واشنطن نفوذاً استراتيجياً مباشراً على الموارد النفطية والسياسات الإقليمية في نصف الكرة الغربي، بما يضع مسألة السيادة الوطنية في صدام مباشر مع مصالح القوى الكبرى في منظومة الطاقة الدولية.
كما أن موقع فنزويلا الجغرافي والاقتصادي يجعلها عقدة حساسة في سباق النفوذ الأمريكي–الصيني، وذات تأثير مباشر على موازين الطاقة العالمية في أعقاب توترات شديدة في أسواق النفط.
العملية الأمريكية في فنزويلا ليست الأولى من نوعها. تجارب التدخل الأمريكي المباشر في بلاد أخرى تركت آثاراً طويلة على مفهوم السيادة:
هذه النماذج التاريخية تطرح سؤالاً مركزياً: إلى أي حد يمكن تبرير التدخلات تحت مسمّيات قانونية أو إنسانية، وما هي تكلفة ذلك على مفهوم السيادة الوطنية؟
ردّت دول عدة على العملية بحدة متفاوتة، ما يعكس الانقسام العميق في المجتمع الدولي حول مفهوم السيادة الوطنية والتدخل العسكري المباشر:
هذه الردود تظهر أن المجتمع الدولي اليوم يواجه اختبارات حقيقية في التعامل مع تداخل القوة والسيادة، خاصة عندما تُقدَّم قرارات عابرة للحدود تحت شعارات مكافحة الفساد أو حماية الأمن.
تولت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز منصب الرئيسة المؤقتة لفنزويلا، في ظل إعلان الولايات المتحدة استعدادها للمشاركة في إدارة النفط والفترة الانتقالية. هذه الخطوة أثارت تساؤلات جدّية حول مدى قدرة إدارة أجنبية على فرض سياسات داخلية على دولة ذات سيادة، وما إذا كان هذا يمثّل نموذجاً جديداً من التدخل الدولي المباشر في شؤون الدول المستهدفة.
تطرح هذه المعطيات سؤالاً أخطر: هل يمكن اعتبار ما يجري نموذجاً لمرحلة جديدة يعيشها النظام الدولي، حيث تكون الإدارة المؤقتة أداة للهيمنة؟
هناك عدة سيناريوهات محتملة لحاضر فنزويلا ومستقبل مفهوم السيادة الدولية:
كل هذه السيناريوهات تشكّل تحديات حقيقية لنظام عالمي أسسه احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
يمثل اعتقال مادورو وإدارة الولايات المتحدة للمرحلة الانتقالية في فنزويلا نقطة مفصلية تعيد طرح أسئلة حول حدود سيادة الدولة وقوة الدول الكبرى في النظام الدولي. العملية تكشف الصدام بين القوة القانونية والهيمنة الاستراتيجية، وتجعل فنزويلا مختبراً حياً لفهم مستقبل السيادة الدولية في القرن الحادي والعشرين.
محمد فال معاوية – باحث في الشؤون السياسية والدولية

لم تعد الاحتجاجات المتصاعدة في إيران حدثًا داخليًا يمكن عزله عن السياق الإقليمي والدولي، بل تحوّلت خلال أيام قليلة إلى ملف سياسي شائك يتقاطع فيه الغضب الشعبي مع حسابات القوة الدولية. فمع إعلان منظمات حقوقية مقتل ما لا يقل عن 16 شخصًا خلال أسبوع من الاضطرابات، وامتداد الاحتجاجات إلى مدن رئيسية في أنحاء البلاد، عاد [...]

أطلقت سفارة الولايات المتحدة في اليمن تحذيرات رسمية حول التطورات الأخيرة في مدينتي عدن وجزيرة سقطرى، في مؤشر واضح على تصاعد حدة الصراع على النفوذ والسيادة داخل اليمن. فقد شهدت هذه المناطق تحركات أمنية وسياسية غير مسبوقة، تضمنت إغلاقًا مؤقتًا وتحويل مسارات الرحلات الجوية، إضافة إلى انتشار نقاط تفتيش وعسكرة المشهد المدني، مما يعكس الصراع [...]

أثار إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إدراج فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان ضمن "المنظمات الإرهابية" جدلاً واسعاً على الساحة الدولية، حيث وصفه طلعت فهمي، المتحدث الإعلامي باسم الجماعة في تركيا، بأنه قرار سياسي بامتياز وليس قانونياً. وفي هذا التقرير، نرصد كل التطورات، ردود الفعل الدولية، التاريخ السياسي للجماعة، وأبعاد هذه الخطوة [...]

من معتقل سابق في سجون القاعدة إلى رئيس دولة يُستقبل في البيت الأبيض… التحول الأخطر في تاريخ سوريا الحديث. تحقيق خاص خلف بوابة زرقاء صدئة، تتشابك حولها أوراق نباتية كثيفة، يقف منزل ريفي متواضع في إحدى قرى إدلب. يقول سكان المنطقة إنه كان في وقت ما أحد المخابئ السرية لأحمد الشرع، الرجل الذي أصبح اليوم [...]

دخلت قطر في مسار دبلوماسي حساس لتتوسط بين أكبر دولتين خليجيتين حليفتين، السعودية والإمارات، في محاولة تهدف إلى تهدئة التوتر المتصاعد على الساحة اليمنية والإقليمية. تأتي هذه الخطوة في وقت بالغ الأهمية، بعد سلسلة من التطورات العسكرية والسياسية في جنوب اليمن، أبرزها الغارة السعودية على ميناء المكلا والتصعيد الإماراتي عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي. ويتساءل [...]

تحتل السياسة الخارجية للإمارات العربية المتحدة مركزًا مهمًا في المشهد الإقليمي بالشرق الأوسط وأفريقيا، خصوصًا بعد التصعيد العسكري الأخير في اليمن مع التحالف بقيادة السعودية. وتستند هذه الاستراتيجية إلى تحالفات متعددة، تدخلات عسكرية محدودة، واستثمارات اقتصادية ضخمة، بهدف مواجهة ما تعتبره أبوظبي تهديدات من جماعات مرتبطة بالإسلام السياسي، بما في ذلك فروع جماعة الإخوان المسلمين. [...]