
لم تعد الاحتجاجات المتصاعدة في إيران حدثًا داخليًا يمكن عزله عن السياق الإقليمي والدولي، بل تحوّلت خلال أيام قليلة إلى ملف سياسي شائك يتقاطع فيه الغضب الشعبي مع حسابات القوة الدولية. فمع إعلان منظمات حقوقية مقتل ما لا يقل عن 16 شخصًا خلال أسبوع من الاضطرابات، وامتداد الاحتجاجات إلى مدن رئيسية في أنحاء البلاد، عاد إلى الواجهة سؤال يتجاوز الداخل الإيراني: هل يمكن أن تستثمر الولايات المتحدة هذه الاضطرابات على نحو يشبه ما جرى في فنزويلا؟
هذا السؤال اكتسب زخمًا إضافيًا بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي ألمح فيها إلى “الاستعداد للتدخل” لحماية المتظاهرين، وهي تصريحات قوبلت بردود حادة من طهران، أعادت التأكيد على حساسية مفهوم السيادة وحدود التدخل الخارجي في النظام الدولي المعاصر.
اندلعت موجة الاحتجاجات الأخيرة في إيران على خلفية تدهور اقتصادي حاد، تمثّل في انهيار قيمة الريال الإيراني وفقدانه نحو نصف قيمته أمام الدولار خلال فترة قصيرة، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم إلى أكثر من 36% منذ بداية العام المالي في مارس الماضي. وقد انعكس هذا التدهور مباشرة على أسعار السلع الأساسية، ما زاد من الأعباء المعيشية على شرائح واسعة من المجتمع.

بدأت الاحتجاجات في أوساط التجار وأصحاب المتاجر، الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن مواصلة أعمالهم في ظل تقلبات الأسعار ونقص السيولة، لكنها سرعان ما امتدت إلى طلاب الجامعات وقطاعات اجتماعية أخرى، لتتحول إلى احتجاجات ذات طابع سياسي واضح.
لم تقتصر الهتافات على انتقاد السياسات الاقتصادية، بل شملت شعارات مناهضة للنظام الحاكم ورجال الدين، وهو ما وضع السلطات أمام تحدٍّ مزدوج: معالجة أزمة اقتصادية خانقة، واحتواء غضب سياسي آخذ في الاتساع.
ويرى مراقبون أن هذا التحول السريع من الاقتصادي إلى السياسي يعكس تراكمًا طويل الأمد في الإحباط الشعبي، وليس مجرد رد فعل عابر على أزمة مالية ظرفية.
في تطور لافت، تبنّت بعض الأصوات الرسمية الإيرانية نبرة أقل تصعيدًا مقارنة بموجات احتجاج سابقة. فقد دعا الرئيس مسعود بزشكيان وزارة الداخلية إلى اتباع نهج “ودي ومسؤول” تجاه المتظاهرين، مؤكدًا أن الأساليب القسرية لا يمكن أن تُقنع المجتمع أو تهدئه.
اعتُبرت هذه التصريحات محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، وإشارة إلى إدراك القيادة السياسية لحساسية المرحلة، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية المتجددة.
رغم ذلك، استمرت قوات الأمن في تنفيذ حملات اعتقال واسعة، واستُخدمت القوة في عدد من المدن، لا سيما في مناطق غرب البلاد والعاصمة طهران، إضافة إلى إقليم بلوشستان. وأقرت السلطات باعتقال مئات الأشخاص، بينهم من وُصفوا بأنهم “محرضون” أو “مديرو صفحات إلكترونية”.
هذا التباين بين الخطاب الرسمي والممارسات الميدانية يعكس، وفق محللين، مأزق النظام الإيراني في الموازنة بين احتواء الاحتجاجات داخليًا وتفادي تقديم صورة ضعف قد تُستغل خارجيًا.
دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خط الأحداث بتصريحات قال فيها إن الولايات المتحدة “مستعدة تمامًا” للتحرك إذا استمرت السلطات الإيرانية في استخدام العنف ضد المتظاهرين. ورغم أن هذه التصريحات لم تترافق مع تحديد واضح لطبيعة الإجراءات المحتملة، فإنها أثارت قلقًا واسعًا في طهران.

بالنسبة لإيران، لا تُقرأ هذه التصريحات بمعزل عن تجارب سابقة، ولا سيما في أميركا اللاتينية، حيث انتقلت واشنطن من خطاب الضغط والدعم المعنوي للمعارضة إلى تدخل مباشر.
قوبلت تصريحات ترامب بردود حازمة من مسؤولين إيرانيين كبار، حذروا من أن أي تدخل أميركي سيجعل القوات الأميركية في المنطقة أهدافًا مشروعة. وأكد المرشد الأعلى علي خامنئي أن بلاده “لن ترضخ للعدو”، مشددًا على أن الحوار مع المحتجين لا يعني التساهل مع ما وصفه بـ”أعمال الشغب”.
ما جرى في فنزويلا ما زال حاضرًا بقوة في النقاشات السياسية الدولية. فانتقال الولايات المتحدة من سياسة العقوبات إلى تدخل مباشر، تحت توصيف “إنفاذ القانون”، شكّل سابقة أثارت جدلًا واسعًا حول حدود السيادة الوطنية.
ويرى بعض المراقبين أن واشنطن قد تسعى إلى توظيف أي اضطرابات داخلية في دول خصومها لإعادة تشكيل موازين القوى، مستندة إلى خطاب حماية المدنيين أو دعم الديمقراطية.
مع ذلك، يشير محللون إلى أن إسقاط سيناريو فنزويلا على إيران يواجه عقبات كبيرة. فإيران دولة ذات ثقل إقليمي، وتمتلك قدرات عسكرية وشبكة تحالفات تجعل أي تدخل مباشر عالي الكلفة وغير مضمون النتائج.
كما أن الموقع الجغرافي لإيران ودورها في معادلات الطاقة والأمن في الشرق الأوسط يجعلان أي تصعيد معها خطرًا يتجاوز حدودها الوطنية.

تعيد التطورات الأخيرة طرح سؤال جوهري حول مكانة السيادة في النظام الدولي. فبينما ينص ميثاق الأمم المتحدة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، تشير الوقائع إلى أن هذا المبدأ بات يخضع لتفسيرات مرنة، خصوصًا عندما تتقاطع الأزمات الداخلية مع مصالح القوى الكبرى.
ويحذر خبراء في القانون الدولي من أن تآكل مفهوم السيادة قد يفتح الباب أمام مرحلة تتزايد فيها التدخلات تحت ذرائع إنسانية أو أمنية، ما يهدد استقرار النظام الدولي.
رغم أوجه الشبه في استخدام الضغوط الاقتصادية والسياسية، فإن الشرق الأوسط يختلف جذريًا عن أميركا اللاتينية من حيث تشابك المصالح الدولية. فوجود قوى كبرى مثل روسيا والصين، إضافة إلى التعقيدات الإقليمية، يجعل أي سيناريو تدخل أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتكرار.
ومع ذلك، يبقى العامل المشترك هو هشاشة الأوضاع الداخلية في بعض الدول، وما يتيحه ذلك من فرص للضغط الخارجي.

تكشف الاحتجاجات الأخيرة في إيران، وما رافقها من تهديدات وردود، عن لحظة اختبار حقيقية لمعادلات القوة والسيادة في عالم مضطرب. فبين ضغط الداخل وتعقيدات الخارج، يجد النظام الإيراني نفسه أمام تحديات مركبة، بينما تراقب القوى الدولية المشهد بحذر.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح إيران في احتواء أزمتها داخليًا، أم تتحول الاحتجاجات إلى ورقة إضافية في صراع دولي أوسع يعيد رسم حدود التدخل والسيادة في القرن الحادي والعشرين؟
المصدر: إعداد مكتب لندن – اليوم ميديا

مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ونشر حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” ومناورات عسكرية إيرانية واسعة في مضيق هرمز، يزداد احتمال الانزلاق إلى مواجهة عسكرية طويلة الأمد. قراءة سردية مفصلة لتقديرات الحرب، استراتيجيات الطرفين، وتداعيات صراع استنزاف متعدد الجبهات. في الأيام الأخيرة، شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران موجة من التوترات التي تنذر باحتمال [...]

في قاعة أوروبية فخمة، حيث اعتادت الدبلوماسية أن تتحدث بلغة ملساء تخفي أكثر مما تُظهر، جاء الخطاب هذه المرة مختلفًا صريحًا إلى حد الصدمة وخاليًا من الزخارف التي لطالما غلّفت السياسات الكبرى. لم يكن مجرد عرض لرؤية سياسية عابرة، بل بدا وكأنه إعلان عن تحوّل عميق في تصور الغرب لدوره في العالم وعودة إلى مفردات [...]

لم تشكّل أحداث مثل حرب «طوفان الأقصى»، و«حرب الإسناد»، وسقوط النظام السوري مجرد صراعات عسكرية ضخمة فحسب، بل كانت أيضًا زلزالًا أيديولوجيًا، إذ انهارت السرديات الراديكالية التي هيمنت لعقود على المنطقة. الإخوانية السنية ممثلة بحركة «حماس» أصيبت بضربة قوية، شاركتها فيها مأساة القضية الفلسطينية التي أعادت قراءة الإيديولوجيا الإسلامية، بينما تعرضت الشيعية الراديكالية، ممثلة بـ«حزب [...]

قبل أن تبدأ الحرب الروسية على أوكرانيا، كانت المؤشرات الاستخباراتية الأمريكية والبريطانية تشير بوضوح إلى أن فلاديمير بوتين يخطط لغزو شامل. على الرغم من أن هذه التحذيرات كانت دقيقة، إلا أن العديد من الدول الأوروبية، وحتى الحكومة الأوكرانية نفسها، لم تصدقها في البداية، معتبرة أن احتمال نشوب حرب واسعة في القرن الحادي والعشرين أمر بعيد [...]

في مدينة الفاشر، حيث كانت الحياة تسير يومًا بإيقاعها المعتاد، تحولت الشوارع إلى مسرح لمشاهد يصفها ناجون بأنها «ثلاثة أيام من الرعب». تحقيق دولي جديد ألقى الضوء على ما حدث هناك، مثيرًا سؤالًا ثقيلًا: هل شهدت المدينة واحدة من أخطر الجرائم الجماعية في النزاع السوداني؟ التحقيق الصادر عن الأمم المتحدة خلص إلى أن الهجمات التي [...]

في ظاهر المشهد الخليجي تبدو التوازنات مستقرة؛ تحالفات قائمة، واقتصادات صاعدة، وتنسيق أمني لا يزال يعمل تحت مظلة واحدة. لكن خلف هذا الهدوء النسبي، تتشكل دينامية جديدة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، دينامية لا تقوم على القطيعة ولا على التحالف الكامل، بل على ما يسميه بعض المراقبين «المنافسة المُدارة»، وهي حالة وسطى تعيد [...]