
في قلب هذا الشرق المزدحم بالتاريخ والنزاعات، تتكرر الأسئلة كلما ارتفعت وتيرة الصواريخ وانخفض منسوب العقل: من يخسر؟ ومن يربح؟ وهل ما يجري اليوم مجرد جولة عسكرية عابرة، أم لحظة مفصلية تعيد رسم العلاقة بين إيران ومحيطها العربي، وخصوصًا دول الخليج؟
المشهد، كما يتبدّى من تداخل الوقائع والسياقات، ليس بسيطًا ولا خطيًا. فهناك تعاطف شعبي مع إيران في مواجهة ضربات الولايات المتحدة وإسرائيل، يقابله رفض أخلاقي وسياسي واضح لاستهداف المدن الخليجية بالصواريخ والمسيّرات. إنها مفارقة تكشف عمق الأزمة: يمكن أن تتعاطف مع طرف في سياق، وتدين سلوكه في سياق آخر، حين يتحول من متلقٍ للضربات إلى مُصدّر لها.
في هذا السياق، لا يبدو أن المنطقة تقف أمام حدث عابر، بل أمام إعادة تشكيل تدريجية في إدراك المخاطر، وحدود النفوذ، ومعادلات الردع.
لا يمكن إنكار أن شريحة واسعة من الرأي العام العربي ترى في المواجهة الحالية امتدادًا لصراع طويل مع السياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. غير أن هذا التعاطف لا ينسحب تلقائيًا على السلوك الإقليمي الإيراني، خاصة عندما تطال ضرباته مدنًا مكتظة مثل الرياض، أو حين تتحول السردية من “استهداف قواعد عسكرية” إلى واقع يصيب مدنيين لا علاقة لهم بمعادلات الردع.

هنا، تتكسر الرواية الدعائية أمام اختبار الواقع. فحين يسقط جرحى من جنسيات آسيوية، ويُصاب عمال وموظفون ومقيمون، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: أي معركة هذه التي تُخاض فوق رؤوس الأبرياء؟ وأي مكسب سياسي يمكن أن يُبنى على خسارة أخلاقية بهذا الحجم؟
من منظور صناع القرار، هذه اللحظة تمثل نقطة تحول في إدراك المخاطر، حيث لم يعد تقييم التهديد مقتصرًا على البعد العسكري، بل امتد ليشمل الكلفة السياسية والاجتماعية لأي تصعيد غير منضبط.
لفهم اللحظة الراهنة، لا بد من العودة إلى الجذر المؤسس: الثورة الإيرانية عام 1979. منذ تلك اللحظة، لم تعد إيران مجرد دولة قومية ذات مصالح تقليدية، بل مشروعًا أيديولوجيًا يحمل فكرة “تصدير الثورة”. هذه الفكرة، التي تبناها روح الله الخميني، لم تبقَ في إطار الخطاب، بل تحولت إلى سياسات عملية تمثلت في دعم جماعات، وبناء شبكات نفوذ، وتغذية انقسامات داخل عدد من الدول العربية.
في المقابل، لم يكن الخليج في وارد خوض مواجهة أيديولوجية، بل وجد نفسه تدريجيًا أمام تهديدات أمنية مباشرة. ومن هنا بدأ التحول الاستراتيجي: طلب الحماية، توسيع الشراكات الدفاعية، والانخراط في منظومات أمنية تقودها واشنطن، في محاولة لموازنة هذا التهديد المتنامي.

المقارنة بين حقبة الشاه وما بعدها ليست حنينًا سياسيًا بقدر ما هي قراءة في أنماط السلوك. فالنظام السابق، رغم تحالفه الوثيق مع الغرب، لم يتبنَّ مشروعًا توسعيًا أيديولوجيًا داخل المجتمعات الخليجية، باستثناء نزاعات محدودة مثل الجزر الإماراتية وشط العرب. أما الجمهورية الإسلامية، فقد أعادت تعريف الأمن الإقليمي من زاوية “النفوذ العابر للحدود”، ما أسهم في تعميق فجوة الثقة مع الجوار العربي، وصولًا إلى لحظة أصبح فيها الوجود العسكري الأمريكي في الخليج نتيجةً لتراكم هذه السياسات، لا سببًا أوليًا لها.
من زاوية تحليل مراكز الفكر، يمكن قراءة هذا التحول باعتباره انتقالًا من “توازن مصالح” إلى “توازن هواجس”، وهو ما يفسر استمرار حالة عدم الاستقرار رغم تعدد محاولات التهدئة.
في ذروة التصعيد، يتحول مضيق هرمز إلى قلب المعادلة العالمية. فهو ليس مجرد ممر مائي، بل شريان اقتصادي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. أي خلل في هذا الممر لا ينعكس على المنطقة وحدها، بل يمتد أثره إلى الأسواق الدولية.
فتعطيل الملاحة أو تهديدها ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، ويؤدي إلى اضطراب الإمدادات، ما يضع دولًا كبرى تعتمد على نفط الخليج، مثل الصين والهند، أمام معضلة حقيقية تتطلب استجابات سريعة ومؤثرة. وهنا تتبدل طبيعة الصراع من إقليمي إلى عالمي، حيث تصبح كلفة التصعيد أعلى بكثير من حدود الحسابات التقليدية.
من منظور استراتيجي، يشكل المضيق “نقطة اختناق حرجة” في الاقتصاد العالمي، ما يعني أن أي توتر فيه لا يبقى محصورًا في الجغرافيا السياسية، بل يتحول إلى عامل ضغط على النظام الاقتصادي الدولي بأكمله.
في المقابل، لا تبدو دول الخليج في موقع المتلقي فقط، بل تعمل على إعادة صياغة مقاربتها الأمنية بشكل أكثر شمولًا. فإلى جانب تعزيز القدرات الدفاعية، تتجه نحو تنويع التحالفات، وتوسيع أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية، بما يتيح لها التعامل مع التهديدات من زوايا متعددة.
هذا التحول يعكس انتقالًا من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة، حيث لم يعد الهدف مجرد امتصاص الضربات، بل بناء منظومة ردع قادرة على منع تكرارها. وهو ما يفسر الحديث المتزايد عن “خيارات خارج الرادار”، في إشارة إلى أدوات تتجاوز البعد العسكري التقليدي.

وفي خضم هذا المشهد، يلعب الإعلام دورًا لا يقل تأثيرًا عن أدوات القوة الصلبة. فكما أشار مارشال ماكلوهان، فإن الوسيلة قد تكون جزءًا من الرسالة، بل قد تتفوق عليها في التأثير. تعدد السرديات، وتضارب الروايات، وتدفق الصور والمقاطع، كلها عناصر تصنع واقعًا موازيًا قد يبتعد عن الحقيقة أو يعيد تشكيلها.
إيران لم تخسر الخليج والعرب دفعة واحدة، لكنها تواجه تآكلًا تدريجيًا في نفوذها، تدفع ثمنه مع كل تصعيد يوسع فجوة الثقة مع جوارها الإقليمي. وفي المقابل، لا يزال هذا التآكل جزئيًا، في ظل عجز خصومها عن صياغة بديل مستقر يعيد تشكيل التوازن بشكل حاسم.
ما يجري اليوم يتجاوز حدود المواجهة العسكرية، ليصبح اختبارًا لقدرة طهران على إعادة تعريف دورها في المنطقة، ولقدرة الخليج على إدارة التهديد دون الانزلاق إلى صراع مفتوح.
في النهاية، لن تُحسم هذه المعادلة بالصواريخ وحدها، بل بمدى القدرة على استعادة الثقة وبناء توازن قابل للاستمرار — وهي معادلة تبدو حتى الآن أكثر تعقيدًا من أي مواجهة عسكرية مباشرة.
لندن – محمد بن سالم

في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة السياسية والإعلامية، بعدما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً صادماً باستهدافها، رغم أنها تعد واحدة من أقدم الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج. في البداية، ظن الجميع أن ترامب زلّ لسانه وأن إيران هي [...]

يقدّم التحليل المنشور في “ناشونال إنترست” قراءة تتجاوز اللحظة العسكرية المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ليدخل في سؤال أعمق يتعلق بإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الخليج، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية الانتقال إلى نموذج “الاعتماد الذاتي” أو “الأمن المُشترك” بين دول الخليج. الفرضية المركزية التي ينطلق منها النص هي أن الحرب الأخيرة [...]

في قلب شبكة معقدة تمتد من بنغازي إلى دبي ومالطا ولندن، يبرز اسم أحمد جاد الله بوصفه أحد أكثر الشخصيات الليبية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة. رجل الأعمال الليبي، الذي يعيش حياة مترفة بين الطائرات الخاصة والفنادق الفاخرة، بات وفق تقارير دولية وأممية، لاعبًا محوريًا في شبكة مالية واقتصادية مرتبطة بمعسكر خليفة حفتر، وسط اتهامات [...]

بعد ثلاثة أشهر على بدء التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران، تبدو الصورة في الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحقق تقدمًا حقيقيًا نحو أهدافه الاستراتيجية، أم أنه يواجه مأزقًا سياسيًا وعسكريًا متصاعدًا قد يعيد رسم ملامح النفوذ الأمريكي في المنطقة. ورغم ما [...]

في شرق الإمارات، وعلى امتداد الساحل المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في الخليج، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالموانئ وخطوط الإمداد والشاحنات التي لا تتوقف. هناك، في مينائي الفجيرة وخورفكان، يتشكل المشهد الجديد للتجارة الخليجية بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر مفتوحة تهدد حركة السفن وإمدادات [...]

لم تعد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من الدول العربية تُقرأ ضمن الإطار التقليدي للدبلوماسية العربية القائمة على التضامن السياسي أو الروابط التاريخية المشتركة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى والتحالفات منذ أكثر من عقد. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت الإمارات من دولة خليجية عُرفت بالدبلوماسية الهادئة [...]