
في لحظةٍ تختلط فيها السياسة بالوهم، وتتصادم فيها السرديات مع الوقائع، يقف دونالد ترامب أمام واحدة من أكثر لحظاته تعقيدًا منذ دخوله عالم السياسة. فالرجل الذي بنى مسيرته على تحويل التصورات إلى “حقائق”، يجد نفسه اليوم في مواجهة حرب لا تخضع لقواعد الخطاب، ولا تنحني لقوة التكرار.
منذ اندلاع المواجهة مع إيران، لم يتردد ترامب في إعلان “النصر” مرارًا. في تجمعات جماهيرية، ومن داخل البيت الأبيض، وحتى في لقاءاته مع الداعمين، كان الخطاب واحدًا: لقد انتصرنا. لكن خلف هذه الكلمات، تتشكل صورة مختلفة تمامًا، صورة حرب مفتوحة لا تزال ملامحها غير محسومة، وتداعياتها تتسع يومًا بعد يوم.
هذا التناقض ليس جديدًا على شخصية دونالد ترامب. فمنذ بداياته في عالم الأعمال، اعتاد على صياغة روايته الخاصة، ثم دفعها إلى الواجهة باعتبارها الحقيقة الوحيدة. في نيويورك، حيث نشأ في بيئة مرفهة، تعلّم أن الثقة المطلقة بالنفس أداة للسيطرة والتأثير. لم يكن الاعتذار جزءًا من قاموسه، ولم يكن الاعتراف بالخطأ خيارًا مطروحًا يومًا. وفق تقرير نشرته صحيفة الغارديان، يعكس هذا النهج أسلوبه الفريد في فرض رؤيته على العالم من حوله.
تأثر ترامب مبكرًا بأفكار “التفكير الإيجابي”، تلك التي تقوم على بناء صورة ذهنية للنجاح، ثم التمسك بها حتى تتحقق. هذه الفلسفة، التي قد تنجح في عالم المال أو الإعلام، تحولت معه إلى منهج سياسي كامل، يقوم على إعادة تشكيل الواقع وفق ما يراه، لا كما هو.
وقد أثبت هذا النهج فاعليته لسنوات. من إمبراطوريته العقارية إلى ظهوره التلفزيوني، وصولًا إلى البيت الأبيض، كان ترامب قادرًا على جذب الانتباه، وتوجيه النقاش، وصناعة صورة تتفوق على الوقائع. حتى في حملاته الانتخابية، لم تكن الحقائق التقليدية عائقًا أمامه، بل كانت مجرد تفاصيل يمكن إعادة صياغتها.
لكن الحرب، بطبيعتها، لا تعترف بهذه القواعد. فهنا، لا تكفي الكلمات لتغيير النتائج، ولا يمكن للرواية أن تحل محل الوقائع على الأرض. ومع تصاعد المواجهة مع إيران، بدأت هذه الحقيقة تفرض نفسها بقوة.
الخسائر البشرية، والتكاليف الاقتصادية، والتوترات المتزايدة في المنطقة، كلها عوامل تقوّض رواية “النصر السريع”. بل إن التطورات الميدانية تشير إلى عكس ذلك، حيث تمكنت إيران من فرض معادلات جديدة، أبرزها التأثير على حركة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار.
في الداخل الأمريكي، لا تبدو الصورة أفضل. فالرأي العام، الذي اعتاد على خطابات ترامب الحادة، بدأ يتساءل عن جدوى هذه الحرب، وأهدافها الحقيقية. ومع غياب استراتيجية واضحة للخروج، يتزايد القلق من تحول الصراع إلى مستنقع طويل الأمد.
المفارقة أن ترامب، الذي نجح في إقناع الملايين برواياته في السابق، يواجه الآن خصمًا لا يمكن التأثير عليه بالطريقة ذاتها. فإيران، بتاريخها وثقافتها، لا تتجاوب مع منطق “صناعة الواقع”، بل تعتمد على حسابات مختلفة، تجمع بين الصبر الاستراتيجي والقدرة على الرد.
هذا ما دفع بعض المحللين إلى وصف ما يجري بأنه “معركة بين واقعين”: واقع يصنعه الخطاب، وآخر تفرضه الوقائع. في هذا الصراع، لا يكفي أن تعلن النصر، بل يجب أن يتحقق فعليًا، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
الأخطر من ذلك أن هذه المواجهة لا تقتصر على بعدها العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي. فكل تصعيد في الخليج ينعكس فورًا على أسعار النفط، ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق. ومع استمرار التوتر، تبدو المخاطر مفتوحة على سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
ورغم كل ذلك، لا يزال ترامب متمسكًا بأسلوبه. فبالنسبة له، التراجع ليس خيارًا، والاعتراف بالفشل قد يكون أكثر كلفة من الاستمرار في الرواية نفسها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى يمكن لهذا النهج أن يصمد أمام واقع لا يمكن إنكاره؟
بعض التقديرات تشير إلى أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك صعوبة الموقف، وأن هناك محاولات للبحث عن مخرج، حتى لو لم يُعلن عنه بشكل صريح. غير أن أي خطوة في هذا الاتجاه ستتطلب إعادة صياغة الرواية، بما يحفظ صورة “النصر”، حتى لو كان ذلك بعيدًا عن الحقيقة.
في النهاية، تكشف هذه الحرب عن حدود القوة التي تعتمد على الخطاب وحده. فبينما يمكن للكلمات أن تصنع واقعًا مؤقتًا، فإنها لا تستطيع أن تغيّر مسار الأحداث إلى الأبد. ومع استمرار الصراع، يبدو أن ترامب يواجه اختبارًا حقيقيًا، ليس فقط كرئيس، بل كصانع روايات.
إنها لحظة مواجهة بين أسلوب اعتاد السيطرة على المشهد، وواقع يفرض قواعده الخاصة. وبين هذا وذاك، يبقى العالم مترقبًا، ليس فقط لنتائج الحرب، بل لما ستكشفه من تحولات أعمق في طبيعة القيادة والسياسة في زمن الأزمات.

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]