
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع التصريحات السياسية مع الحسابات العسكرية، مما يرفع منسوب القلق العالمي. فبينما يقلل دونالد ترامب من صعوبة إعادة فتح مضيق هرمز في حال إغلاقه أو تعطيله، يرى محللون عسكريون واستراتيجيون أن هذا الطرح يتجاهل تعقيدات ميدانية وسياسية تجعل أي تحرك أمريكي محفوفًا بمخاطر التصعيد واسع النطاق، وربما الانزلاق إلى مواجهة تتجاوز البحر لتصل إلى اليابسة.
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. غير أن أهميته لا تكمن فقط في كونه ممرًا مائيًا، بل في كونه نقطة ارتكاز استراتيجية ضمن عقيدة الردع الإيرانية. بالنسبة لطهران، لا يمثل المضيق مجرد ورقة ضغط تكتيكية، بل عنصرًا مركزيًا في معادلة توازن القوى مع الولايات المتحدة وحلفائها.
تكمن الفجوة بين الخطاب السياسي والتقدير الاستراتيجي في التعامل مع المضيق باعتباره هدفًا يمكن “إعادة فتحه” بعملية عسكرية محدودة، إذ إنه محاط بشبكة معقدة من القدرات الدفاعية والهجومية الإيرانية، تشمل الزوارق السريعة، الألغام البحرية، الصواريخ الساحلية، والطائرات المسيّرة. هذه المنظومة تجعل أي تدخل عسكري مباشر عملية متعددة المراحل، تمتد إلى تحييد قدرات إيران في نطاق جغرافي واسع.

يحذر خبراء من أن أي محاولة أمريكية لفرض السيطرة على المضيق قد تُفسر إيرانيًا كإعلان حرب، ما يدفع طهران إلى توسيع نطاق الرد. ولا تقتصر الخيارات الإيرانية على استهداف القطع البحرية في الخليج، بل قد تمتد إلى ضرب قواعد أمريكية في المنطقة أو تحريك حلفائها الإقليميين لفتح جبهات متعددة.
هذا الاحتمال يفتح الباب أمام سيناريو أكثر تعقيدًا: انتقال المواجهة من البحر إلى البر. مع تصاعد الضربات المتبادلة، قد تجد واشنطن نفسها مضطرة للقيام بعمليات برية محدودة لتدمير منصات الصواريخ أو مراكز القيادة، وهو ما قد يتطور تدريجيًا إلى انخراط أعمق، خاصة إذا تكبدت القوات الأمريكية خسائر بشرية أو تعرضت مصالح حيوية لهجمات مباشرة.
وفي هذا السياق، تستدعي الأزمة مقارنات مع تجارب سابقة في المنطقة، حيث بدأت عمليات عسكرية محدودة قبل أن تتحول إلى نزاعات طويلة ومكلفة. الفرق هنا أن إيران ليست دولة ضعيفة أو منهكة، بل تمتلك قدرات عسكرية غير تقليدية وشبكة نفوذ إقليمي تمنحها أدوات تصعيد مرنة.
تواجه واشنطن معضلة معقدة: فعدم التحرك قد يُفسر كضعف ويشجع على مزيد من التصعيد، بينما يحمل التدخل العسكري مخاطر الانزلاق إلى صراع مفتوح. هذه الثنائية تضع صناع القرار أمام خيارات كلها مكلفة، سواء سياسيًا أو عسكريًا أو اقتصاديًا.
تسعى الإدارة الأمريكية إلى الحفاظ على حرية الملاحة كخط أحمر استراتيجي، ليس فقط لأسباب اقتصادية، بل أيضًا للحفاظ على مصداقية الردع. ومن جهة أخرى، تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع إيران قد تخرج سريعًا عن السيطرة، خاصة في ظل بيئة إقليمية مشحونة وتعدد الفاعلين غير الدولتيين.
السؤال المركزي: هل يمكن تأمين المضيق دون إشعال حرب أوسع؟ الإجابة، وفقًا لكثير من المحللين، تميل إلى التشاؤم. فطبيعة التهديدات—من الألغام البحرية إلى الهجمات غير المتكافئة—تعني أن السيطرة الكاملة تتطلب حضورًا عسكريًا كثيفًا ومستمرًا، ما يزيد احتمالات الاحتكاك المباشر.

لا يمكن فصل البعد العسكري عن التداعيات الاقتصادية. فمجرد التهديد بإغلاق المضيق أو تعطيله كفيل بإرباك أسواق الطاقة العالمية، ورفع أسعار النفط، وزيادة الضغوط التضخمية على اقتصادات كبرى. وفي حال اندلاع مواجهة فعلية، قد تتفاقم هذه التأثيرات لتشمل اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية وتراجعًا في النمو الاقتصادي.
هذا البعد يمنح الأزمة طابعًا عالميًا، إذ لا تقتصر تداعياتها على أطراف النزاع، بل تمتد إلى دول تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، بما في ذلك الولايات المتحدة.
تعتمد طهران منذ سنوات على ما يُعرف باستراتيجية “المنطقة الرمادية”، أي تنفيذ عمليات دون عتبة الحرب الشاملة لتحقيق أهداف تكتيكية دون استدعاء رد عسكري واسع. في سياق مضيق هرمز، قد تفضل إيران الحفاظ على مستوى من التهديد المستمر دون الإغلاق الكامل، بما يسمح لها بممارسة الضغط دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة.
غير أن هذا التوازن هش بطبيعته. فحادث واحد—كاستهداف سفينة أو إسقاط طائرة—قد يدفع الأطراف إلى ردود فعل متسارعة تتجاوز حسابات ضبط النفس التقليدية. وفي بيئة كهذه، يصبح سوء التقدير عاملًا حاسمًا في إشعال التصعيد.
رغم أن الحديث عن حرب برية قد يبدو بعيدًا، إلا أن بعض السيناريوهات تجعله احتمالًا قائمًا، وإن كان غير مرغوب فيه. فشل الضربات الجوية في تحييد القدرات الإيرانية، أو استمرار التهديد للمضيق رغم العمليات البحرية، قد يدفع نحو التفكير بخيارات أكثر حسمًا.
لكن هذا الخيار يواجه تحديات هائلة، من طبيعة الجغرافيا الإيرانية إلى القدرات الدفاعية، فضلًا عن الكلفة البشرية والسياسية. كما أن التجارب السابقة تجعل الرأي العام الأمريكي أكثر تحفظًا تجاه الانخراط في حروب طويلة.

في المحصلة، تكشف أزمة مضيق هرمز عن معادلة معقدة تجمع بين الردع والتصعيد. يسعى كل طرف لإظهار قوته دون الانزلاق إلى حرب شاملة، لكن أدوات التحشيد العسكري والخطاب التصعيدي تزيد من احتمالات الخطأ.
تصريحات دونالد ترامب التي تقلل من صعوبة إعادة فتح المضيق قد تُقرأ كجزء من استراتيجية ضغط، لكنها في الوقت ذاته ترفع سقف التوقعات وتضيق هامش المناورة. في المقابل، ترى إيران في المضيق ورقة توازن لا يمكن التفريط بها بسهولة.
بين هذين الموقفين، يقف العالم أمام احتمالين: إما إدارة حذرة للأزمة تبقيها ضمن حدود التوتر، أو انزلاق تدريجي نحو مواجهة أوسع قد تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة وتترك آثارًا عميقة على النظام الدولي بأسره.
لندن – عمر زياد الحاج

في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة السياسية والإعلامية، بعدما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً صادماً باستهدافها، رغم أنها تعد واحدة من أقدم الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج. في البداية، ظن الجميع أن ترامب زلّ لسانه وأن إيران هي [...]

يقدّم التحليل المنشور في “ناشونال إنترست” قراءة تتجاوز اللحظة العسكرية المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ليدخل في سؤال أعمق يتعلق بإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الخليج، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية الانتقال إلى نموذج “الاعتماد الذاتي” أو “الأمن المُشترك” بين دول الخليج. الفرضية المركزية التي ينطلق منها النص هي أن الحرب الأخيرة [...]

في قلب شبكة معقدة تمتد من بنغازي إلى دبي ومالطا ولندن، يبرز اسم أحمد جاد الله بوصفه أحد أكثر الشخصيات الليبية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة. رجل الأعمال الليبي، الذي يعيش حياة مترفة بين الطائرات الخاصة والفنادق الفاخرة، بات وفق تقارير دولية وأممية، لاعبًا محوريًا في شبكة مالية واقتصادية مرتبطة بمعسكر خليفة حفتر، وسط اتهامات [...]

بعد ثلاثة أشهر على بدء التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران، تبدو الصورة في الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحقق تقدمًا حقيقيًا نحو أهدافه الاستراتيجية، أم أنه يواجه مأزقًا سياسيًا وعسكريًا متصاعدًا قد يعيد رسم ملامح النفوذ الأمريكي في المنطقة. ورغم ما [...]

في شرق الإمارات، وعلى امتداد الساحل المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في الخليج، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالموانئ وخطوط الإمداد والشاحنات التي لا تتوقف. هناك، في مينائي الفجيرة وخورفكان، يتشكل المشهد الجديد للتجارة الخليجية بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر مفتوحة تهدد حركة السفن وإمدادات [...]

لم تعد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من الدول العربية تُقرأ ضمن الإطار التقليدي للدبلوماسية العربية القائمة على التضامن السياسي أو الروابط التاريخية المشتركة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى والتحالفات منذ أكثر من عقد. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت الإمارات من دولة خليجية عُرفت بالدبلوماسية الهادئة [...]