الرئيسية/آراء/الرفاق حائرون خصوم ترمب العرب
آراء

الرفاق حائرون خصوم ترمب العرب

لقطة الشاشة 1446-05-11 في 10.01.53 ص
📸لقطة الشاشة 1446-05-11 في 10.01.53 ص
اليوم ميديا

عبدالله بن بجاد العتيبي

التغير في السياسة أحد ثوابتها، فهو أساس المرونة التي تخلق التوازن، وتمنح صانع القرار قوةً وقدرةً على المناورة وحصد المكاسب في التعامل مع التجاذبات والصراعات، ولكن التغير ليس كذلك في التحليل السياسي؛ لأن التحليل إذا لم يكن مبنياً على مبادئ وقواعد عقلانية وواقعية قادرة على تبريره للقارئ المتابع، والباحث المختص، يصبح تقلباً في الرأي وبهلوانية في الفكر لا يقبلها العقل ولا المنطق.

في 2016 شهدت الانتخابات الأميركية تنافساً محموماً بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بين يسارٍ بنسخةٍ جديدة التخلق في السياسة الأميركية، ويمين تقليديٍ معروف، قاد الأول باراك أوباما بعد فترتين رئاسيتين ممثلاً لليسار الليبرالي في الحزب الديمقراطي، وداعماً متحمساً للمرشحة الديمقراطية حينها هيلاري كلينتون، التي تمثل امتداداً طبيعياً له، ويقود الثاني دونالد ترمب رجل الأعمال البارز ذو النجاحات المميزة، وصاحب التجربة المثيرة في الإعلام ومخاطبة الجماهير، وقد أبدى أوباما حينها كل أمارات التخوّف من فوز هذا الخصم الشرس المعادي صراحةً لكل طروحات اليسار الليبرالي الذي يقوده أوباما نفسه، وكان أوباما لا يني في حث الصحافيين والمواطنين أثناء تحركاته في البيت الأبيض على أن يذهبوا ويدلوا بأصواتهم لصالح هيلاري، ولكن حدث ما كان يخشاه أوباما وفاز ترمب وأصبح رئيساً للولايات المتحدة.

كتبت قلةٌ من الكتاب العرب وقت رئاسة أوباما أن سياساته في «الانعزالية» و«الانسحابية» من العالم أدَّت به للتودد لخصوم أميركا والتخلي عن حلفائها حول العالم مع القبول بالإذلال العلني لأميركا وجنودها، وهو ما كان عكس التاريخ ومنطقه، وكان جواب التاريخ أن يأتي بجمهوريّ قويٍ يعيد لأميركا هيبتها المستباحة دون مبررٍ فجاء ترمب جواباً تاريخياً مناسباً للانحراف اليساري الذي كان.

منذ ترشح ترمب للرئاسة حينها لم تتوقف آلة الدعاية الإعلامية في وسائل الإعلام ومواقع السوشيال ميديا وعوالم الفنون والمشاهير، المنتمية للديمقراطيين واليسار، عن التقليل من شأنه والسخرية منه، واستمرت الحملات وازدادت شراسةً بعد تسلمه الرئاسة، وقد شهد العالم العربي حينها توجهاتٍ إعلاميةً في المؤسسات وفي السوشيال ميديا وفي الفنون والمشاهير كانت تحذو حذو اليسار الليبرالي الأميركي، وتسير خلفه مغلقة الأعين والعقول، وتكرر بببغائية تثير الاستغراب كل ما يقوله ذلك اليسار المتطرف، حتى ولو كانت سياساته وتوجهاته معاديةً بالقول والفعل لكل الدول العربية، وكانت جراح «الربيع العربي» الأصولي الإرهابي المدعوم من أوباما ويساره المتطرف، لم تندمل، وآثاره الكارثية مفتوحة النهايات.

سجل التاريخ حينها آراء ومواقف عقلانية وواقعية لقلةٍ من الكتاب والمثقفين العرب عبّروا عن آرائهم ودللوا عليها بقوةٍ بحسب ما أتاحت الحرية التي كان يسمح بها مؤيدو اليسار الليبرالي الأميركي المسيطرون في كثير من وسائل الإعلام العربية حينذاك.

خففت بعض الأقلام العربية الناقدة لترمب من مواقفها إبان وجوده في الرئاسة، ولكنها بمجرد خسارته للانتخابات في 2020 أمام جو بايدن رفيق درب أوباما وشريكه في ذلك التوجه اليساري، عاد هؤلاء الكتاب أدراجهم، ورفضوا التشكيك في نتائج الانتخابات الأميركية، التي شكك فيها ترمب حينها بقوةٍ، وظهرت بعض الدلائل التي تشير إلى أحقية ذلك التشكيك، وضرورة طرح الأسئلة المُلحة، ولكنهم عادوا سيرتهم الأولى وقالوا إنَّ رئاسة ترمب كانت ضد طبيعة أميركا، وإنها مجرد استثناء يؤكد القاعدة التي تقول إن أميركا كلها ضده وضد توجهاته.

واليوم، فاز ترمب فوزاً كاسحاً بفترةٍ رئاسيةٍ ثانيةٍ، وهزم هذا التوجه اليساري داخل الحزب الديمقراطي، لا هزيمةً عاديةً تحدث في كل انتخاباتٍ، ولكنّ هزيمةً ساحقةً وتاريخيةً، وحصل على دعم الكونغرس الأميركي بمجلسيه في «الشيوخ» و«النوّاب»، ما يعطي مؤشراً واضحاً على الرفض الشعبي العارم من الشعب الأميركي لكل تطرفات اليسار في السياسة والإعلام والمجتمع.

واليوم في عالمنا العربي أصبح الرفاق حائرين، وتخبط بعضهم في التحليلات بما ينبئ بضعف العلم والوعي؛ فلجأ للمبادئ العامة في الفكر والسياسة، وبات يطرحها بعشوائية غريبة، فزادوا قُرّاءهم تيهاً، ومنهم من فضّل الصمت المطبق وطوي صفحةً وفتح أخرى دون أي تصحيحٍ، ولكن وهو الأهم أن بعضهم قلب مواقفه السابقة بالكلية رأساً على عقب، وتبنى أفكاراً كان يعارضها، وتوجهاتٍ كان يرفضها، معتمداً على أمرين: أن ذاكرة القراء تنسى سريعاً، والاختباء خلف المواقف الرسمية التي من طبيعتها السياسية أن تتغير.

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

"
عبدالله بن بجاد العتيبي التغير في السياسة أحد ثوابتها، فهو أساس المرونة التي تخلق التوازن، وتمنح صانع القرار قوةً وقدرةً على المناورة وحصد المكاسب في التعامل مع التجاذبات والصراعات، ولكن التغير ليس كذلك في التحليل السياسي؛ لأن التحليل إذا لم يكن مبنياً على مبادئ وقواعد عقلانية وواقعية قادرة على تبريره للقارئ المتابع، والباحث المختص، يصبح
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
هل نساء السودان ساحة للصراع والانتقام؟

هل نساء السودان ساحة للصراع والانتقام؟

أرقام ومعلومات مروعة تحدثت عنها وزيرة الدولة للشؤون الاجتماعية في السودان سليمى إسحاق في حديث لقناة «العربية» هذا الأسبوع، حول الجرائم والانتهاكات التي تعرضت لها نساء وفتيات سودانيات من اغتصاب جماعي، واستعباد جنسي، وتزويج قسري، وإكراه على العمل في الجنس، وتعذيب جنسي، وإتجار بالأشخاص بغرض الاستغلال الجنسي، وحقيقة الأرقام وحدها تكفي لفتح واحدة من أكثر

زيد بن كمي
الخميس، ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
أيتهما أكثر قوة… السعودية أم إيران؟

أيتهما أكثر قوة… السعودية أم إيران؟

في خضمِّ الحربِ الحاليةِ كثيراً ما يُطرح تساؤلٌ عن لماذا إيرانُ الدولة الأقل مواردَ مالية والمحاصرة، أقدرُ على القتالِ من دول الخليج مثل السعودية، وهل هناكَ خَطبٌ ما وراء ذلك؟ هذا الاستنتاج أنَّ إيرانَ نموذجٌ لـ«التَّفوق» يُقال لسنينَ طويلةٍ بسبب «انتصارات» عسكريةٍ حقَّقتها ضدَّ أكثرَ من نصفِ دول المنطقة وليس إسرائيل فقط. جزئيّاً هذا صحيحٌ،

عبد الرحمن الراشد
الخميس، ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة