
مع تصاعد الدين الأميركي، وعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تتزايد تحذيرات اقتصاديين عالميين من اهتزاز غير مسبوق في مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية. فالتقاء السياسات المالية التوسعية، وتسييس السياسة النقدية، وتسليح الدولار، والتحولات الجيوسياسية، يطرح سؤالًا لم يعد نظريًا: هل يقترب العالم من عاصفة مالية قد تعيد تشكيل النظام النقدي الدولي؟
الدولار وهيمنة «الامتياز الباهظ»
أصبحت احتمالية تآكل هيمنة الدولار الأميركي، خاصة في ظل إدارة ترامب الثانية، مصدر قلق كبير بين الاقتصاديين والخبراء الماليين. وينبع هذا القلق من تلاقي عدة عوامل، من بينها السياسات المالية، واستقلال السياسة النقدية، وتسليح التمويل، والتحولات الجيوسياسية. وفي حين يتمتع الدولار منذ فترة طويلة بما يُعرف بـ«الامتياز الباهظ»، بات يُنظر إلى ركائزه الأساسية على أنها تتعرض لضغوط متزايدة، ما يثير تساؤلات حول استقراره المستقبلي والتداعيات الاقتصادية العالمية المحتملة.
اقرأ أيضا..
الدولار يتجه للتراجع الكبير في 2026
ولعقود طويلة، كان الدولار الأميركي العملة الاحتياطية الأساسية في العالم، مانحًا الولايات المتحدة مزايا اقتصادية فريدة. وهذا «الامتياز الباهظ»، وهو مصطلح صاغه وزير المالية الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان، يسمح للولايات المتحدة بالاقتراض بتكلفة منخفضة، وتمويل عجزها الكبير، وطباعة النقود دون تأجيج التضخم بشكل فوري.
لماذا يثق العالم بالدولار؟
تحتفظ الحكومات الأجنبية والبنوك المركزية، طوعًا، بسندات الخزانة الأميركية، معتبرة إياها أكثر الأصول أمانًا على مستوى العالم، والتي يقوم عليها النظام المالي العالمي بأكمله. ويؤكد البروفسور كينيث روغوف، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي وأستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، أن هيمنة الدولار تشبه لغة مشتركة في عالم التمويل الدولي.

(تظهر هذه الصورة هبوط أسعار سندات الخزانة الأميركية، ما يزيد المخاوف من اهتزاز الدولار ومكانته كعملة احتياطية عالمية)
إن القبول الواسع للدولار، إلى جانب عمق وسيولة الأسواق المالية الأميركية، ولا سيما الأصول المدعومة بالدولار مثل سندات الخزانة، جعلاه الوسيلة المفضلة للمعاملات العالمية وحيازات الاحتياطي. وقد تأسست هذه الثقة في البداية على قابلية تحويل الدولار إلى الذهب، ثم لاحقًا على الثقة في الإدارة الاقتصادية الأميركية واستقلال الاحتياطي الفيدرالي.
فوائد «الامتياز الباهظ» على الاقتصاد الأميركي
يقدّر روغوف أن تكاليف اقتراض الحكومة الأميركية تنخفض بنسبة تتراوح بين نصف في المائة وواحد في المائة بفضل وضع الدولار كعملة احتياطية عالمية. ويترجم ذلك إلى وفورات ضخمة، بالنظر إلى حجم الدين الوطني. كما ينعكس هذا الامتياز على انخفاض أسعار الفائدة على الرهون العقارية وقروض السيارات، نتيجة الطلب العالمي المرتفع على الأصول المقومة بالدولار.
اقرأ ايضا..
الخليج بعد النفط: كيف يصنع محمد بن سلمان وسلطان الجابر اقتصاد ما بعد الدولار؟
إلى جانب ذلك، يمنح الدولار الولايات المتحدة وصولًا غير مسبوق إلى معلومات الاقتصاد العالمي، ونفوذًا واسعًا في المفاوضات الدولية وفرض العقوبات.
ست ركائز لعملة الاحتياط… هل تتآكل؟
يحدد دينيس سنوير، الباحث الدولي في كلية إدارة الأعمال بجامعة أكسفورد، ست ركائز أساسية تدعم أي عملة احتياطية عالمية، هي: استقرار الاقتصاد الكلي، والأسواق المالية السائلة، واستقلال البنك المركزي، وحرية حركة رأس المال، وسيادة القانون، والثقة الجيوسياسية.
ويرى سنوير أن إدارة ترامب الثانية أضعفت كل واحدة من هذه الركائز، ما أدى إلى تآكل أعمدة الدولار بوتيرة متسارعة.
إدارة ترامب والتهور المالي وتراكم الديون
يشير سنوير إلى أن التخفيضات الضريبية من دون ضبط الإنفاق دفعت الدين العام الأميركي إلى مستويات قياسية. ويردد روغوف هذا التحذير، مشيرًا إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت بشكل كبير، ما يجعل الولايات المتحدة أكثر عرضة لتداعيات ارتفاع أسعار الفائدة.
اقرأ أيضا..
الدولار يلامس أعلى مستوى في 3 أشهر قبل بيانات أمريكا الحاسمة
وفي حال تنفيذ تخفيضات ضريبية إضافية من دون خفض موازٍ في الإنفاق، قد يستمر العجز عند مستويات تتراوح بين 5 و7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يزيد من تفاقم أزمة الديون ويجعل تمويلها أكثر كلفة.
تسييس السياسة النقدية واستقلال الاحتياطي الفيدرالي
يُعد استقلال الاحتياطي الفيدرالي ركيزة أساسية للحفاظ على الثقة بالدولار. غير أن سنوير يحذر من أن هذا الاستقلال «تآكل بفعل الضغوط السياسية العلنية واختبارات الولاء لمحافظي البنوك المركزية».
ويؤكد روغوف أن التخلي عن معيار الذهب جعل وعد الاحتياطي الفيدرالي بإدارة التضخم عند مستوى 2% الأساس الحقيقي لقيمة الدولار. وأي تدخل سياسي يُنظر إليه على أنه محاولة لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة بشكل مصطنع قد يقود إلى التضخم وفقدان الثقة.
الدولار كسلاح سياسي: تسليح التمويل
يشير سنوير إلى أن الوصول إلى الدولار بات يُستخدم كسلاح سياسي لمعاقبة الخصوم، بل وحتى الحلفاء. ويشرح روغوف أن الاستخدام المفرط وغير المتوقع للعقوبات قد يدفع الدول الأخرى إلى البحث عن بدائل للنظام المالي القائم على الدولار.
اقرا ايضا..
331 مليار دولار تشتعل في الأسواق الناشئة مع تراجع الدولار!
وقد شكّل تجميد أصول البنك المركزي الروسي نقطة تحوّل دفعت دولًا، مثل الصين، إلى تقليص اعتمادها على الدولار، والبدء في تخفيض حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية.
الدين الأميركي بالأرقام: تريليون دولار كل 100 يوم
توقع تقرير حديث لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي أن يرتفع الدين الأميركي بنحو تريليون دولار كل مائة يوم. وتشير تقديرات اقتصاديين في جامعة بنسلفانيا إلى أن خطط الضرائب والإنفاق المقترحة من ترامب قد تضيف 4.1 تريليونات دولار إلى الدين خلال عقد واحد.
ويبلغ الدين العام الأميركي حاليًا أكثر من 37 تريليون دولار، في حين تراجعت حيازات الصين من سندات الخزانة إلى 682.6 مليار دولار، وهو أدنى مستوى منذ عام 2008.
«أميركا أولًا» وتآكل الثقة الجيوسياسية
أدى نهج «أميركا أولًا»، القائم على الانفصال عن المؤسسات الدولية والسياسات غير المتوقعة، إلى تآكل الثقة الجيوسياسية بالولايات المتحدة. وتُعد هذه الثقة عنصرًا حاسمًا في استمرار هيمنة الدولار، إذ لا تقوم على القوة الاقتصادية وحدها، بل على صورة أميركا كشريك عالمي موثوق.
هل يقترب العالم من تسونامي مالي؟
يحذر خبراء من أن أي تراجع حاد في هيمنة الدولار قد يؤدي إلى «تسونامي مالي» عالمي، حيث قد تتدافع البنوك المركزية إلى تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار، ما يرفع عوائد السندات الأميركية ويضغط على العملة.

(توضح الصورة تأثير سياسات ترامب على الدين العام الأميركي واحتمالات تآكل هيمنة الدولار عالمياً)
ومع عدم وجود بديل جاهز قادر على استيعاب التريليونات المقومة بالدولار، قد يشهد العالم سباقًا محمومًا نحو الأمان من دون وجهة واضحة.
عالم منقسم ماليًا بدل نظام موحد
من المرجح أن يؤدي تراجع هيمنة الدولار إلى انقسام النظام المالي العالمي إلى كتل متنافسة، تقودها الولايات المتحدة من جهة، والصين ودول «البريكس» من جهة أخرى، مع تصاعد تسليح التمويل عبر العقوبات وضوابط رأس المال.
خسارة «الامتياز الباهظ»: ماذا يعني ذلك لأميركا؟
يحذر روغوف من أن فقدان هذا الامتياز سيؤدي إلى ارتفاع حاد في تكاليف الاقتراض، ويقيد قدرة الولايات المتحدة على تمويل إنفاقها الدفاعي والحفاظ على نفوذها العالمي. كما ستتراجع فاعلية العقوبات كأداة سياسية، ما يضعف الأمن القومي الأميركي وقدراته الاستخباراتية.
لماذا يهمك هذا التحليل؟
لأن أي اهتزاز في الدولار لن يبقى شأنًا نخبويًا، بل سينعكس مباشرة على التضخم، وأسعار الطاقة، وقيمة العملات المحلية، والقدرة الشرائية للمواطنين حول العالم.
موسى مهدي – باحث بريطاني في الشؤون الاقتصادية




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *