الرئيسية/اقتصاد وأسواق/اليوان يتحدى الدولار: خريطة شي جين بينغ الثلاثية لقلب النظام المالي العالمي
اقتصاد وأسواق

اليوان يتحدى الدولار: خريطة شي جين بينغ الثلاثية لقلب النظام المالي العالمي

image
📸مشهد مصور يوثق التطورات الإخبارية المتعلقة بقسم اقتصاد وأسواق
اليوم ميديا / وكالات

في لحظة دولية تتسم باضطراب التوازنات الاقتصادية وتزايد الشكوك حول مستقبل النظام المالي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة، أعاد الرئيس الصيني شي جين بينغ طرح سؤال قديم-متجدد بصيغة أكثر جرأة: لماذا لا يتحول اليوان إلى عملة احتياط عالمية؟ لم يعد الطرح مجرد طموح نظري داخل دوائر الحزب الشيوعي، بل بات جزءًا من رؤية استراتيجية متكاملة تسعى بكين من خلالها إلى إعادة تشكيل بنية القوة المالية عالميًا، مستفيدة من لحظة تراها تاريخية تتراجع فيها الثقة المطلقة بالدولار دون أن ينهار.

الدعوة جاءت عبر مجلة تشيوشي، المنصة الفكرية الأهم التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، حيث شدّد شي على ضرورة بناء «عملة قوية قادرة على اكتساب استخدام واسع النطاق في التجارة الدولية والاستثمار وأسواق الصرف، والحصول على وضع عملة احتياط». لم يكن التعبير إنشائيًا أو دعائيًا، بل حمل ملامح خطة ثلاثية الأبعاد تقوم على إعادة هندسة الداخل المالي الصيني أولًا، قبل خوض معركة النفوذ النقدي خارجيًا.

تقوم هذه الرؤية على ثلاثة أعمدة رئيسية: بنك مركزي يمتلك قدرة عالية على إدارة المعروض النقدي والتحكم في دورات السيولة، ومؤسسات مالية قادرة على المنافسة عالميًا وليس محليًا فحسب، ثم مراكز مالية دولية جاذبة لرأس المال ومؤثرة في آليات التسعير العالمي. بهذه العناصر، تحاول بكين بناء ما يمكن وصفه بـ«البنية التحتية للهيمنة النقدية»، أي الشروط التي سبقت صعود الدولار نفسه خلال القرن العشرين.

صحيفة فاينانشال تايمز رأت أن القيادة الصينية سعت منذ سنوات إلى تدويل اليوان، لكن تصريحات شي الأخيرة تُعد الأكثر وضوحًا في تعريف معنى «العملة القوية» والمرتكزات المؤسسية التي يجب أن تحملها. فالصين لم تعد تكتفي بتوسيع استخدام عملتها في التسويات التجارية الثنائية، بل تتحرك لبناء نظام مالي موازٍ يخفف اعتماد العالم على الدولار، دون إعلان قطيعة كاملة مع النظام القائم.

وجاء هذا الطرح في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد الأسواق العالمية مستويات مرتفعة من عدم اليقين، مدفوعة بتقلبات العملة الأمريكية، واحتمالات التغيير في قيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وتصاعد الصراعات الجيوسياسية والتجارية التي تدفع العديد من البنوك المركزية إلى إعادة تقييم درجة تعرضها للأصول المقومة بالدولار. هذه اللحظة تحديدًا تمنح الصين ما تعتبره «نافذة انتقالية» يمكن من خلالها اختبار حدود النظام المالي الحالي.

الخبير الاقتصادي كيفن لام من مؤسسة بانثيون ماكروإيكونوميكس لخّص هذا المزاج بقوله إن الصين تشعر بأن تغيير النظام العالمي «أصبح حقيقة ملموسة أكثر من أي وقت مضى»، مشيرًا إلى أن تركيز شي المتزايد على اليوان يعكس تصدعات آخذة في الاتساع داخل البنية المالية الدولية، لا سيما مع استخدام العقوبات المالية كسلاح جيوسياسي، وهو ما دفع قوى كبرى إلى البحث عن بدائل تقلل من قابلية تعرضها للضغط.

ومع ذلك، تكشف الأرقام أن الطريق أمام بكين لا يزال طويلًا ومعقدًا. فبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، لم تتجاوز حصة اليوان في الاحتياطيات العالمية خلال الربع الثالث من العام الماضي 1.93%، ليحتل المرتبة السادسة بين العملات الدولية. في المقابل، ما يزال الدولار يحتفظ بنحو 57% من الاحتياطيات العالمية، رغم تراجعه من مستوى 71% المسجل عام 2000، بينما يحل اليورو ثانيًا بحصة تقارب 20%. هذه الفجوة الهائلة تعني أن التحدي الصيني ليس نقديًا فحسب، بل مؤسسي وثقافي أيضًا، لأن الثقة بالعملات تُبنى عبر عقود من الاستقرار والشفافية وسيادة القانون المالي.

المعضلة التي تواجه الصين لا تتعلق بقوة اقتصادها — وهو ثاني أكبر اقتصاد في العالم — بل بطبيعة نظامها المالي ذاته. فالعالم لا يستخدم عملة ما لأنها مدعومة بالنمو فقط، بل لأنه يثق بحرية تحويلها، وعمق أسواقها، واستقلالية مؤسساتها النقدية. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة: الصين تسعى إلى تدويل عملتها، لكنها لا تزال حذرة من فتح نظامها المالي بالكامل خشية فقدان السيطرة الداخلية، وهي السيطرة التي تُعد جزءًا أساسيًا من نموذجها السياسي والاقتصادي.

لهذا، تبدو استراتيجية بكين أقرب إلى «تدويل مُدار» لا إلى تحرير كامل، أي توسيع استخدام اليوان تدريجيًا عبر التجارة والطاقة ومبادرات البنية التحتية العابرة للحدود، مع الحفاظ على جدار رقابي يمنع الصدمات المفاجئة. إنها محاولة لإعادة صياغة العولمة المالية بطريقة تسمح للصين بالمشاركة في قيادتها دون أن تتخلى عن خصوصية نموذجها.

في المحصلة، لا تسعى بكين إلى إسقاط الدولار بقدر ما تعمل على تقليص احتكاره، ولا إلى استبدال نظام بآخر دفعة واحدة، بل إلى خلق تعددية نقدية تعكس تعددية القوة في القرن الحادي والعشرين. وإذا كان صعود الدولار قد ارتبط بصعود الولايات المتحدة كقوة صناعية وعسكرية ومؤسساتية، فإن اختبار اليوان اليوم يرتبط بقدرة الصين على تحويل وزنها الاقتصادي إلى ثقة مالية عالمية — وهي معادلة أصعب بكثير من تحقيق الفوائض التجارية أو معدلات النمو المرتفعة.

هكذا، لا يبدو العالم متجهًا نحو نهاية هيمنة الدولار بقدر ما يقترب من مرحلة «التوازن النقدي القلق»، حيث تتعدد مراكز الثقل دون أن يختفي المركز القديم. وفي هذه المساحة الرمادية تحديدًا، تدور المعركة الحقيقية التي يخوضها اليوان: معركة بناء الثقة قبل بناء النفوذ.

"
في لحظة دولية تتسم باضطراب التوازنات الاقتصادية وتزايد الشكوك حول مستقبل النظام المالي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة، أعاد الرئيس الصيني شي جين بينغ طرح سؤال قديم-متجدد بصيغة أكثر جرأة: لماذا لا يتحول اليوان إلى عملة احتياط عالمية؟ لم يعد الطرح مجرد طموح نظري داخل دوائر الحزب الشيوعي، بل بات جزءًا من رؤية استراتيجية متكاملة
— اليوم ميديا / اقتصاد وأسواق

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، في عُمان

حرب هرمز.. لماذا ترتفع كلفة الوصول إلى الخليج؟

قد تكون أخطر نتائج الحرب الجارية في الخليج أقل ظهورًا من ارتفاع سعر النفط، وأعمق من عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز. إنها ببساطة ارتفاع كلفة الوصول؛ فالسلعة قد تكون موجودة، والميناء مفتوحًا، والسفينة متاحة، لكن الطريق إليها أصبح أطول وأكثر مخاطرة وكلفة. وعندما يحدث ذلك، تتغير قيمة الموقع الجغرافي نفسه: ما كان ميزة تجارية

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة

«تجارة الخليج تختفي من الخريطة».. ماذا يحدث في هرمز؟

لم تعد أزمة مضيق هرمز تضغط على تجارة النفط والطاقة فقط، بل بدأت تعيد رسم حركة البضائع داخل الخليج، بعدما تراجعت حركة سفن الحاويات عبر المضيق إلى مستويات حادة، واضطرت شركات الشحن إلى البحث عن طرق بديلة أطول وأكثر كلفة. هذا ما ترصده صحيفة Financial Times في تقرير بعنوان «The Gulf cargo trade that vanished»،

لندن - اليوم ميديا
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت وتأثير أسعار النفط على توقعات الفائدة والأسواق (وكالات)

فائدة أوروبا ترتفع.. لماذا تراقب أسواق الخليج فخ النفط؟

لم يعد ارتفاع أسعار النفط قضية تخص منتجي الطاقة وحدهم. ففي أوروبا، بدأت صدمة الطاقة تعيد تشكيل توقعات التضخم والفائدة، بينما تتحرك عوائد السندات العالمية عند مستويات مرتفعة، ما يجعل تداعيات المشهد مهمة أيضًا لأسواق الخليج، خصوصًا عبر تكلفة التمويل والطلب العالمي. المفارقة أن النفط المرتفع قد يدعم إيرادات الدول المصدرة للطاقة، لكنه في الوقت

لندن - عمر فهد العلي
الجمعة، ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

النفط الصيني يقفز إلى 129 دولارًا.. ماذا وراء القفزة؟

قفزت العقود الآجلة للنفط المتداولة في شنغهاي إلى نحو 129 دولارًا للبرميل، في أعلى مستوى لها على الإطلاق، مع تصاعد المخاوف في الصين بشأن إمدادات الخام القادمة من الشرق الأوسط، بعد اضطراب خط أنابيب النفط السعودي الذي ينقل الخام إلى البحر الأحمر. وأفادت صحيفة فايننشال تايمز بأن عقود النفط في شنغهاي ارتفعت بنحو 14% منذ

لندن - اليوم ميديا
الخميس، ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة