
في الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه إلى تداعيات الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، كانت كواليس السياسة الإسرائيلية تشهد حراكاً مختلفاً يحمل في طياته ملامح مرحلة جديدة من التوتر في جنوب لبنان.
فقد كشف مسؤولان إسرائيليان، أحدهما مقرب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن إسرائيل دخلت في مفاوضات مكثفة مع واشنطن بهدف ضمان استمرار انتشار قواتها داخل مناطق في جنوب لبنان، في خطوة تعكس إصرار تل أبيب على تثبيت معادلة أمنية جديدة على حدودها الشمالية، بحسب رويترز.
وتأتي هذه التحركات بعد يوم واحد فقط من توقيع اتفاق أمريكي إيراني مؤقت تضمن بنداً واضحاً يدعو إلى احترام وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها، الأمر الذي وضع إسرائيل أمام معادلة معقدة بين متطلبات الاتفاق الجديد وحساباتها الأمنية الخاصة.
وبحسب المسؤول الإسرائيلي الرفيع، فإن المباحثات مع الإدارة الأمريكية تتسم بـ”العناد”، في إشارة إلى تمسك إسرائيل بموقفها الرافض لأي انسحاب سريع من المناطق التي سيطرت عليها خلال الأشهر الماضية.
ويرى صناع القرار في تل أبيب أن الوجود العسكري جنوب لبنان لم يعد مجرد إجراء ميداني مؤقت، بل تحول إلى جزء أساسي من العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي برزت عقب اتساع رقعة المواجهة مع حزب الله.
وكانت إسرائيل قد وسعت عملياتها داخل الأراضي اللبنانية بعد اندلاع موجة التصعيد الأخيرة، عقب إطلاق حزب الله النار باتجاهها في الثاني من مارس دعماً لإيران، وفق الرواية الإسرائيلية. ومنذ ذلك الحين، شنت القوات الإسرائيلية حملة جوية وبرية واسعة خلفت دماراً كبيراً في مناطق لبنانية عدة، مؤكدة أن هدفها يتمثل في إضعاف قدرات حزب الله العسكرية.
وتصف إسرائيل المناطق التي تسيطر عليها في جنوب لبنان، إلى جانب مناطق أخرى في غزة وسوريا، بأنها “مناطق عازلة” ضرورية لمنع أي هجمات مستقبلية، بينما يرفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الضغوط الدولية المطالبة بانسحاب قواته من تلك الأراضي.
وأكد المسؤول المقرب من نتنياهو أن إسرائيل لن تتراجع عن مطلبها بالإبقاء على قوات منتشرة في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، باعتبارها خط دفاع متقدماً يحول دون عودة التهديدات إلى الحدود الشمالية.
في المقابل، أشار مسؤول إسرائيلي ثانٍ إلى أن مصير هذه المفاوضات سيتوقف إلى حد كبير على موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومدى استعداده للضغط على إسرائيل من أجل الالتزام ببنود الاتفاق المؤقت مع إيران، بما في ذلك ما يتعلق بالملف اللبناني.
وحتى الآن، لم يصدر أي تعليق رسمي من مكتب نتنياهو بشأن هذه التصريحات، ما يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات عديدة حول اتجاه السياسة الأمريكية المقبلة، وحدود قدرة واشنطن على التوفيق بين التزاماتها الجديدة تجاه استقرار لبنان وتحالفها التقليدي مع إسرائيل.
وبين إصرار إسرائيل على ترسيخ وجودها العسكري، وتمسك الاتفاق الأمريكي الإيراني بمبدأ سيادة لبنان، تبدو الساحة اللبنانية مقبلة على اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية، قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة في واحدة من أكثر جبهات الشرق الأوسط اشتعالاً.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *