
د. ليلى السالمي
كان يمكن النظر إلى مركز البيانات قبل سنوات باعتباره منشأة تقنية: مبنى يضم الخوادم، ويحتاج إلى الكهرباء والتبريد والاتصالات، وتديره شركات متخصصة لخدمة المصارف والمنصات الحكومية والشركات.
لكن الحرب غيّرت هذه الصورة.
عندما تتعرض منشآت الحوسبة لأضرار خلال الهجمات، ويؤدي خروجها من الخدمة إلى اضطراب خدمات مالية ورقمية، وعندما تدفع المخاطر الأمنية دولة إلى إعادة التفكير في تصميم مشروع ضخم للذكاء الاصطناعي، فإن مراكز البيانات لم تعد قضية تخص قطاع التكنولوجيا وحده. لقد أصبحت جزءًا من البنية التي تقوم عليها الدولة والاقتصاد.
في 15 سبتمبر 2026، أفادت رويترز بأن Amazon Web Services لم تتمكن بعد من استعادة الوصول إلى بنيتها السحابية في البحرين وإحدى مناطق استضافة البيانات الثلاث في الإمارات، بعد أضرار لحقت بالمنشآت خلال هجمات مارس.
وذكرت الوكالة أن الأضرار في البحرين طالت عدة مناطق توافر وتجاوزت ما صُممت الخدمات الإقليمية ومتعددة المناطق لتحمله، بينما بقيت إحدى مناطق استضافة البيانات في الإمارات غير متاحة. كما تأثرت بعض العمليات المصرفية، واضطرت AWS إلى مساعدة عملائها على نقل أحمالهم إلى مناطق أخرى.
المغزى يتجاوز AWS نفسها. فالعالم الرقمي الذي اعتاد المستخدم أن يتعامل معه باعتباره «سحابة» لا يوجد في السماء؛ إنه موجود في مبانٍ حقيقية، فوق أرض حقيقية، ويحتاج إلى كهرباء ومياه وتبريد وألياف ضوئية وشبكات اتصال ومولدات وموظفين وممرات وصول.
بمعنى آخر، السيادة الرقمية تبدأ من الجغرافيا.
وهذا التحول يفرض على الاستراتيجيات الخليجية إعادة النظر في معنى الاستثمار الرقمي. فالاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يبدأ بشراء المعالجات أو بناء النماذج المتقدمة فقط، بل بالسؤال عن المكان الذي ستوضع فيه الحوسبة، وكيف ستستمر إذا تعرض جزء من الشبكة للخطر، ومن أين ستأتي الطاقة، وكيف ستصل البيانات، وأين توجد النسخ الاحتياطية، وما الذي سيحدث إذا خرج مركز كامل من الخدمة.
ومن هنا تكتسب تجربة الإمارات أهمية تتجاوز تفاصيل مشروع بعينه. فبحسب رويترز، تعيد الإمارات النظر في تصميم مشروع حوسبة للذكاء الاصطناعي بقدرة تصل إلى 5 غيغاواط، كان مخططًا له في صورة مجمع كبير، مع توجه نحو توزيع المنشآت داخل الدولة ودراسة خيارات تشمل منشآت تحت الأرض وتصاميم أكثر مقاومة للانفجارات وإجراءات حماية إضافية.
المهم هنا ليس حجم المشروع، وإنما القرار الهندسي الذي يقف خلف إعادة تصميمه. فالتوزيع الجغرافي لم يعد مجرد وسيلة لتحسين الكفاءة أو خفض تكاليف التشغيل؛ أصبح أداة لتقليل المخاطر.
المركز الواحد قد يكون أكثر كفاءة اقتصاديًا، لكنه يخلق نقطة تركّز يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف. أما الشبكة الموزعة فقد تكون أعلى كلفة، لكنها تمنح الدولة والشركات قدرة أكبر على استمرار الخدمة إذا خرج أحد المواقع من العمل. وهذه هي المفاضلة الجديدة بين الكفاءة والمرونة.
من هنا يبرز مفهوم قد يصبح أكثر أهمية في المرحلة المقبلة: السيادة التشغيلية.
فالسيادة الرقمية لا تعني فقط أن تكون البيانات موجودة داخل حدود الدولة، أو أن تمتلك الدولة مركز بيانات على أرضها. السيادة تظهر عندما تستطيع الدولة إبقاء خدماتها الأساسية تعمل حتى إذا تعطلت بعض مكونات البنية التحتية.
لذلك لم يعد السؤال: أين توجد البيانات؟ بل: هل تستطيع الدولة الوصول إليها وتشغيلها واستعادتها عندما تتعرض البنية التي تحملها للصدمة؟
قد تمتلك دولة مركز بيانات متقدمًا، لكنها تظل معرضة للاضطراب إذا كانت الطاقة تعتمد على مسار محدود، أو الاتصال الخارجي يمر عبر عدد قليل من المسارات، أو النسخ الاحتياطية موجودة في الموقع نفسه، أو نقل الأحمال إلى موقع بديل يحتاج إلى وقت طويل. امتلاك البنية لا يكفي إذا لم تكن هناك قدرة على إبقائها عاملة أو استعادة الخدمة عند تعطلها.
وهذا مهم بصورة خاصة في الخليج، حيث تتوسع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة بوصفها جزءًا من التحول الاقتصادي. ويشير معهد الشرق الأوسط إلى أن الإمارات والسعودية وقطر تخطط مجتمعة لقدرات حوسبة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتراوح بين نحو 8 و10 غيغاواط عبر مشاريع وأهداف معلنة.
لكن الحرب تفرض سؤالًا مختلفًا عن حجم الاستثمار: كم من هذه القدرة يمكن إبقاؤه عاملًا إذا تعرضت البنية التحتية لصدمة واسعة؟
فالقدرة الحاسوبية أصبحت مرتبطة بالمصارف والتجارة والنقل والخدمات الحكومية والاتصالات والصناعة وإدارة المدن. وكلما توسع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، أصبحت الحوسبة جزءًا من البنية التي يقوم عليها الاقتصاد نفسه.
وهنا تتغير طبيعة المخاطر. فقد أشار تحليل لمعهد الحرب الحديثة في الأكاديمية العسكرية الأميركية «ويست بوينت» إلى أن التوسع في مراكز البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل جغرافيا البنية التحتية الحيوية، وأن مجمعات الحوسبة الضخمة يمكن أن تصبح أصولًا استراتيجية عالية القيمة تدخل في حسابات التخطيط الدفاعي.
وفي الخليج، لم تعد هذه الفكرة نظرية بالكامل. فمراكز البيانات وشبكات الاتصال والكابلات البحرية تشكل منظومة مترابطة. وقد أشارت تحليلات لمعهد ستيمسون إلى أن الحرب كشفت مخاطر متزايدة على البنية التكنولوجية الخليجية، بما في ذلك مراكز البيانات والكابلات التي تحمل جزءًا كبيرًا من حركة البيانات العابرة للحدود.
وهنا تظهر الحلقة التي تختفي خلف صورة «السحابة». قد يكون مركز البيانات محميًا، لكن الاتصال به لا يعيش داخل المبنى. فالبيانات تتحرك عبر ألياف ضوئية ومحطات إنزال وشبكات أرضية وكابلات بحرية تربط الخليج بآسيا وأوروبا وأفريقيا. ولذلك لا يمكن فصل أمن مركز البيانات عن أمن الشبكة التي توصله بالعالم.
وهذا يجعل السيادة الرقمية أكثر تعقيدًا من مجرد امتلاك منشأة داخل الحدود. فإذا كانت الطاقة والاتصالات والمعدات والخبرات وسلاسل التوريد موزعة بين أطراف خارجية، فإن الدولة قد تمتلك المكان من دون أن تمتلك كامل القدرة على الاستمرار.
لكن الحل ليس الاكتفاء التكنولوجي الكامل؛ فهذا غير واقعي في اقتصاد عالمي شديد الترابط. المطلوب هو بناء قدرة تشغيلية مستقلة بما يكفي للصمود، ومترابطة بما يكفي للاستفادة من الاقتصاد العالمي.
وهنا تصبح السيادة التشغيلية إطارًا عمليًا: أكثر من مركز للبيانات، ومسارات متعددة للطاقة والاتصالات، ومصادر احتياطية، ونسخ موزعة جغرافيًا، وخطط لنقل الأحمال، وقدرات محلية على الاستعادة والإصلاح، واتفاقات واضحة مع مزودي الخدمات في حالات الطوارئ.
أي أن السؤال الأمني لم يعد فقط: كيف نحمي المبنى؟ بل: كيف نحافظ على الخدمة إذا فقدنا المبنى؟
هذا التحول قد يغير طريقة تصميم البنية الرقمية الخليجية في السنوات المقبلة. فبدل بناء أكبر مركز ممكن في موقع واحد، قد يتجه التخطيط إلى شبكة من المواقع المرتبطة بمسارات متعددة للطاقة والاتصالات، وقادرة على توزيع الأحمال عند الحاجة. وقد تكون هذه المنظومة أعلى كلفة في الظروف الطبيعية، لكنها تمنح الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص الصدمات.
ويمكن للذكاء الاصطناعي نفسه أن يصبح جزءًا من هذه المنظومة، من خلال مراقبة الشبكات، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، والتنبؤ بالأعطال، وإدارة الطاقة، وتحسين توزيع الأحمال، ودعم الاستجابة للطوارئ. لكن المفارقة أن النظام الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي للحماية يحتاج هو نفسه إلى بنية تحتية محمية.
حماية الذكاء الاصطناعي أصبحت شرطًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحماية.
وهذا يغير أيضًا العلاقة بين الدولة وشركات التكنولوجيا. فالبنية الرقمية الحديثة موزعة بين الحكومات وشركات الحوسبة السحابية ومشغلي الاتصالات ومزودي الطاقة وملاك الكابلات ومصنعي الرقائق. لذلك لا يمكن أن تعتمد حماية القدرة الرقمية على طرف واحد، بل تحتاج إلى منظومة من التوزيع والتكرار والبدائل والاستجابة السريعة.
ومن هنا ينبغي أن يتغير معيار تقييم الاستثمار في مركز بيانات جديد. فعدد الخوادم أو وحدات معالجة الرسوميات لا يكفي وحده لقياس القيمة الاستراتيجية. السؤال الأهم هو: ماذا يحدث عندما يتعطل الموقع، أو تنقطع الطاقة، أو يتضرر مسار الاتصال، أو تتعطل سلسلة توريد أساسية؟
فالاقتصادات الرقمية لن تقاس فقط بقدرتها على بناء مراكز بيانات ضخمة، وإنما بقدرتها على مواصلة العمل أثناء الأزمات.
وقد يكون المركز الأكبر أقل أهمية من شبكة قادرة على امتصاص الصدمة، وقد تكون القدرة الحاسوبية الأعلى قيمة فقط عندما ترافقها منظومة تضمن استمرار تشغيلها واستعادتها عند الضرورة.
لهذا فإن التنافس على الذكاء الاصطناعي في الخليج لن يكون سباقًا تقنيًا واستثماريًا فقط، بل سيكون أيضًا اختبارًا للجغرافيا والأمن والمرونة والسيادة التشغيلية.
السؤال لم يعد فقط: هل يستطيع الخليج أن يصبح مركزًا عالميًا للذكاء الاصطناعي؟ فالمشروعات والاستثمارات المعلنة تعكس وجود طموح واضح في هذا الاتجاه. السؤال الأصعب هو: هل يستطيع الخليج بناء اقتصاد رقمي قادر على العمل عندما تتعرض المنطقة لحرب أو أزمة واسعة؟
الإجابة عن هذا السؤال تتجاوز مستقبل مراكز البيانات. إنها تتعلق بقدرة الاقتصاد الخليجي الجديد على الصمود.
فالنفط يحتاج إلى الموانئ وخطوط الأنابيب، واقتصاد الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الكهرباء والبيانات والكابلات والحوسبة. وفي الحالتين تبقى القاعدة واحدة: من يملك المورد لا يملك بالضرورة القدرة؛ فالقدرة الحقيقية تكمن في حماية المورد وإبقائه يعمل عندما يصبح الاستمرار هو الاختبار الأصعب.
ولذلك قد يكون الدرس الأهم من حرب 2026 أن الخليج لا يبني اقتصادًا جديدًا فحسب، بل يبني بنية تحتية جديدة للسيادة.
والقرار الاستراتيجي لم يعد فقط أين نبني أكبر مركز بيانات، بل كيف نبني شبكة تستطيع مواصلة التفكير والحساب والعمل، حتى عندما تتعرض المنطقة نفسها للاهتزاز.

د. رشيد المنصوري لوقت طويل، بدت معادلة أمن الطاقة في الخليج بسيطة: إذا تعطل طريق، وُجد طريق آخر. وإذا أصبح مضيق مصدرًا للخطر، أمكن اللجوء إلى خط أنابيب أو ميناء أو مسار بحري بديل. لكن أزمات 2026 كشفت أن هذه المعادلة لم تعد كافية. المشكلة ليست في وجود الطرق البديلة، بل في قدرتها على العمل [...]

د. ناصر الكعبي لم تعد المسألة الخليجية في 2026 تتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على حماية المنطقة، أو بمدى كفاءة منظومات الدفاع الجوي في اعتراض الصواريخ والمسيّرات. السؤال الأعمق أصبح: ماذا يحدث عندما تتعرض الدولة لضغط عسكري طويل، فيما يُطلب من اقتصادها ومؤسساتها وخدماتها وبنيتها الرقمية أن تواصل العمل بصورة طبيعية؟ هنا يظهر أحد أهم [...]

محمد فال معاوية أخطر ما يمكن أن يفعله الخليج في لحظة التحولات الكبرى هو أن يختصر مستقبله في سؤال واحد: هل يبقى مع واشنطن أم يتجه إلى بكين؟ يبدو السؤال منطقيًا، لكنه يفترض منذ البداية أن مستقبل المنطقة يتوقف على اختيار قوة كبرى تحل محل أخرى. وهذه ليست بالضرورة المعادلة التي تتشكل أمام دول الخليج [...]

د. ناصر الكعبي كانت السيادة، في معناها التقليدي، مرتبطة بالأرض والحدود والجيش. ثم اتسع مفهومها ليشمل الاقتصاد والطاقة والعملة، قبل أن يدخل العالم اليوم مرحلة تضيف إلى هذه العناصر قوة أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا: القدرة على إنتاج المعرفة من البيانات، وتحويلها إلى قرار في الوقت المناسب. هنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى السياسة الدولية من باب [...]

د. راشد المنصوري كان سؤال السياسة الدولية في القرن الماضي بسيطًا نسبيًا: من حليفك؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كم خيارًا لديك عندما يتغير موقف حليفك؟ هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في طبيعة العلاقات بين الدول، بل يكشف عن إعادة تعريف لمفهوم القوة نفسه. فالدولة القوية لم تعد تلك التي تمتلك حليفًا [...]

د. ليلى السالمي لم تعد أخطر المناطق في الشرق الأوسط هي تلك التي تقع تحت سيطرة دولة معادية، بل تلك التي لا تخضع بالكامل لسلطة دولة، ولا تمتلك نظامًا مستقرًا لإدارة أمنها وحدودها ومصالحها. هذه المساحات الرمادية تتسع في أكثر من مكان. وعلى امتداد البحر الأحمر، وفي اليمن والسودان وليبيا والعراق وسوريا، لم يعد الفراغ [...]