
د. رشيد المنصوري
لوقت طويل، بدت معادلة أمن الطاقة في الخليج بسيطة: إذا تعطل طريق، وُجد طريق آخر. وإذا أصبح مضيق مصدرًا للخطر، أمكن اللجوء إلى خط أنابيب أو ميناء أو مسار بحري بديل.
لكن أزمات 2026 كشفت أن هذه المعادلة لم تعد كافية.
المشكلة ليست في وجود الطرق البديلة، بل في قدرتها على العمل عندما تتعرض المنظومة بأكملها للضغط. فطريق يتجاوز مضيقًا قد يظل معرضًا لخطر آخر، وميناء بعيد عن منطقة التوتر قد يعتمد على شبكة نقل أو تأمين أو إمدادات يمكن أن تتأثر بالأزمة نفسها.
هنا تظهر الحلقة المفقودة في أمن الخليج: البديل الجغرافي لا يصبح بديلًا استراتيجيًا إلا إذا استطاع أن يعمل في ظروف الأزمة، وبحجم مناسب، وضمن شبكة قادرة على امتصاص الصدمة.
كان خط أنابيب الشرق–الغرب في السعودية أحد أبرز الأمثلة على أهمية هذه الفكرة. فالخط، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، يوفر للسعودية قدرة على تجاوز مضيق هرمز والوصول إلى الأسواق عبر البحر الأحمر.
لكن تعرض منشآت وخطوط مرتبطة بهذه المنظومة لهجمات بطائرات مسيّرة في سبتمبر 2026، وما تبع ذلك من تعليق مؤقت للتدفقات وتأثر بعض الشحنات، أظهر أن تجاوز نقطة اختناق لا يعني اختفاء المخاطر.
وبحسب تقارير رويترز، تأثرت بعض شحنات النفط السعودية بعد اضطراب خط الشرق–الغرب وميناء ينبع، في وقت لجأت فيه المملكة إلى ترتيبات شحن بديلة عبر عُمان لتلبية جزء من الطلب الآسيوي. هذه التطورات لا تعني غياب البدائل، بل تكشف حدود قدرتها عندما تتزامن الضغوط على أكثر من مسار.
وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها: أمن الطاقة لا يتعلق بالأنبوب وحده.
فالنفط الذي يخرج من الحقل يحتاج إلى خط نقل، ثم إلى ميناء، ثم إلى سفينة، ثم إلى تأمين، ثم إلى ممر بحري آمن، ثم إلى قدرة لدى المشتري على استقبال الشحنة. أي خلل في واحدة من هذه الحلقات يمكن أن يرفع تكلفة البديل أو يقلص قدرته على أداء دوره.
وتكشف أرقام وكالة الطاقة الدولية حجم الفجوة. فقد مر عبر مضيق هرمز في عام 2025 نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يقارب ربع التجارة البحرية العالمية للنفط. وفي المقابل، تقدر الوكالة قدرة المسارات البديلة المتاحة عبر السعودية والإمارات بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يوميًا.
هذه المسارات مهمة جدًا في تخفيف أثر اضطرابات هرمز، لكنها لا تعادل ببساطة حجم التدفقات التي تمر عبر المضيق. لذلك، فإن امتلاك قدرة بديلة لا يعني امتلاك قدرة بديلة كاملة.
ويزداد الأمر حساسية في قطاع الغاز الطبيعي المسال. تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 93% من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال و96% من صادرات الإمارات تمر عبر هرمز، بما يمثل قرابة 19% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا. ولا توجد مسارات بديلة مماثلة قادرة على إيصال هذه الكميات إلى الأسواق العالمية.
وهنا تتضح حدود التفكير التقليدي في أمن الطاقة. فالبدائل ليست متساوية؛ بعضها يمكن توسيعه، وبعضها محدود، وبعضها لا يمكن استبداله جغرافيًا بسهولة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم طريقًا بديلًا يمتلك الخليج؟
بل: ما قدرة هذه الطرق على استيعاب صدمة واسعة، وإلى أي مدى تستطيع المنظومة تشغيلها بسرعة عندما تتعطل المسارات الرئيسية؟
هذا ما يمكن تسميته بـ«قابلية الاستبدال الاستراتيجي». فالبديل الحقيقي ليس مجرد خط مرسوم على الخريطة، وإنما قدرة تشغيلية يمكن تفعيلها في الوقت المناسب، وبكلفة محتملة، وضمن منظومة نقل وتخزين وتأمين قادرة على دعمه.
ومن هذه الزاوية، تصبح المخزونات الاستراتيجية جزءًا من أمن الممرات، كما تصبح الموانئ المتعددة وشبكات النقل المرنة جزءًا من أمن الطاقة. وكذلك حماية المنشآت، وتوزيع الخزانات، ومرونة المصافي، وتعدد مصادر الاستيراد، والقدرة على إعادة توجيه السفن والشحنات.
الأهم أن هذه القدرات يجب أن تُختبر قبل الأزمة، لا أن تُكتشف حدودها خلالها.
فالطاقة الاسمية لخط أنابيب لا تعني بالضرورة قدرته على العمل بكامل طاقته أثناء الحرب. وسعة ميناء لا تعني أنه يستطيع استقبال تدفقات إضافية إذا كانت السفن أو التأمين أو التخزين غير متوافرة. كما أن وجود مسار بحري بديل لا يكفي إذا كانت شركات الشحن تعتبر المخاطر فيه مرتفعة إلى درجة تجعل استخدامه مكلفًا أو غير عملي.
وهنا ينتقل النقاش من «البديل» إلى «الشبكة».
الاقتصاد الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات ليس بالضرورة الذي يمتلك أكبر عدد من المسارات، وإنما الذي يستطيع إعادة توزيع التدفقات عندما يتعطل أحدها. وهذا يتطلب بنية مترابطة من الموانئ، وخطوط الأنابيب، والمخازن، وشبكات الكهرباء، والممرات البرية، والاتصالات، والقدرات اللوجستية.
فالخطر الحديث لا يتوقف عند النفط.
الموانئ التي تحمل التجارة، والكابلات البحرية التي تنقل البيانات، ومحطات تحلية المياه، وشبكات الكهرباء، والمطارات، ومراكز البيانات، وسلاسل الغذاء والدواء، كلها أصبحت جزءًا من مفهوم الأمن الاقتصادي. وإذا تركزت هذه الوظائف في عدد محدود من العقد الحيوية، فإن تعطل إحداها يمكن أن ينتقل أثره بسرعة إلى قطاعات أخرى.
لهذا فإن أمن الخليج لا ينبغي أن يُقاس فقط بكمية النفط المنتجة أو بعدد الأنابيب والموانئ. المعيار الأهم هو قدرة الاقتصاد على الاستمرار وإعادة ترتيب مساراته عندما تتعرض عدة حلقات للضغط في الوقت نفسه.
وهذا يتطلب استثمارات تتجاوز البنية التحتية التقليدية إلى التخزين، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، وحماية المنشآت، وإدارة المخاطر، والربط الإقليمي، وأنظمة الإنذار المبكر، والقدرة على اتخاذ قرارات تشغيلية سريعة.
كما يتطلب تغييرًا في طريقة النظر إلى العلاقة بين الأمن والاقتصاد. فحماية منشأة نفطية ليست مسألة أمنية منفصلة عن التجارة، كما أن ارتفاع مخاطر الملاحة ليس شأنًا يخص شركات التأمين وحدها. كل حلقة تؤثر في الأخرى.
عندما ترتفع المخاطر، ترتفع كلفة التأمين. وعندما ترتفع الكلفة، تتغير حسابات شركات الشحن. وإذا تراجعت حركة السفن، تأثرت الموانئ والمصافي والمخزونات والأسواق. وفي النهاية، ينتقل الخطر من نقطة جغرافية محددة إلى الاقتصاد الأوسع.
لذلك، فإن الدرس الأهم من أزمات 2026 ليس أن البدائل فشلت، بل أن الاعتماد على بديل واحد أو محدود لا يكفي لبناء أمن مستدام.
البدائل تظل ضرورية، لكنها تحتاج إلى منظومة تسندها: بدائل للنقل، ومخزونات للوقت، وموانئ متعددة، وقدرات تخزين، وحماية للبنية التحتية، ومرونة في الشحن والتأمين، وآليات سريعة لإعادة توجيه التجارة والطاقة.
الهدف ليس بناء اقتصاد لا يتعرض للصدمات؛ فهذا غير واقعي. الهدف هو بناء اقتصاد يستطيع امتصاص الصدمة، وتوزيع آثارها، وتغيير مساراته، ثم العودة إلى العمل بأسرع ما يمكن.
وهنا تحديدًا تكمن الحلقة المفقودة في أمن الخليج.
ليست المشكلة في غياب طريق آخر، بل في قدرة المنظومة على العمل عندما لا يعود الطريق الأول متاحًا.

د. ناصر الكعبي لم تعد المسألة الخليجية في 2026 تتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على حماية المنطقة، أو بمدى كفاءة منظومات الدفاع الجوي في اعتراض الصواريخ والمسيّرات. السؤال الأعمق أصبح: ماذا يحدث عندما تتعرض الدولة لضغط عسكري طويل، فيما يُطلب من اقتصادها ومؤسساتها وخدماتها وبنيتها الرقمية أن تواصل العمل بصورة طبيعية؟ هنا يظهر أحد أهم [...]

محمد فال معاوية أخطر ما يمكن أن يفعله الخليج في لحظة التحولات الكبرى هو أن يختصر مستقبله في سؤال واحد: هل يبقى مع واشنطن أم يتجه إلى بكين؟ يبدو السؤال منطقيًا، لكنه يفترض منذ البداية أن مستقبل المنطقة يتوقف على اختيار قوة كبرى تحل محل أخرى. وهذه ليست بالضرورة المعادلة التي تتشكل أمام دول الخليج [...]

د. ليلى السالمي كان يمكن النظر إلى مركز البيانات قبل سنوات باعتباره منشأة تقنية: مبنى يضم الخوادم، ويحتاج إلى الكهرباء والتبريد والاتصالات، وتديره شركات متخصصة لخدمة المصارف والمنصات الحكومية والشركات. لكن الحرب غيّرت هذه الصورة. عندما تتعرض منشآت الحوسبة لأضرار خلال الهجمات، ويؤدي خروجها من الخدمة إلى اضطراب خدمات مالية ورقمية، وعندما تدفع المخاطر الأمنية [...]

د. ناصر الكعبي كانت السيادة، في معناها التقليدي، مرتبطة بالأرض والحدود والجيش. ثم اتسع مفهومها ليشمل الاقتصاد والطاقة والعملة، قبل أن يدخل العالم اليوم مرحلة تضيف إلى هذه العناصر قوة أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا: القدرة على إنتاج المعرفة من البيانات، وتحويلها إلى قرار في الوقت المناسب. هنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى السياسة الدولية من باب [...]

د. راشد المنصوري كان سؤال السياسة الدولية في القرن الماضي بسيطًا نسبيًا: من حليفك؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كم خيارًا لديك عندما يتغير موقف حليفك؟ هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في طبيعة العلاقات بين الدول، بل يكشف عن إعادة تعريف لمفهوم القوة نفسه. فالدولة القوية لم تعد تلك التي تمتلك حليفًا [...]

د. ليلى السالمي لم تعد أخطر المناطق في الشرق الأوسط هي تلك التي تقع تحت سيطرة دولة معادية، بل تلك التي لا تخضع بالكامل لسلطة دولة، ولا تمتلك نظامًا مستقرًا لإدارة أمنها وحدودها ومصالحها. هذه المساحات الرمادية تتسع في أكثر من مكان. وعلى امتداد البحر الأحمر، وفي اليمن والسودان وليبيا والعراق وسوريا، لم يعد الفراغ [...]