
محمد فال معاوية
أخطر ما يمكن أن يفعله الخليج في لحظة التحولات الكبرى هو أن يختصر مستقبله في سؤال واحد: هل يبقى مع واشنطن أم يتجه إلى بكين؟
يبدو السؤال منطقيًا، لكنه يفترض منذ البداية أن مستقبل المنطقة يتوقف على اختيار قوة كبرى تحل محل أخرى. وهذه ليست بالضرورة المعادلة التي تتشكل أمام دول الخليج اليوم.
السؤال الأعمق هو: ماذا تريد دول الخليج أن تكون عليه عندما تصبح المنافسة بين القوى الكبرى أكثر حدة، والتحالفات أكثر مرونة، والأزمات أسرع من قدرة الدول على التكيف معها؟
هنا ينتقل النقاش من البحث عن «حامٍ» إلى البحث عن «قدرة».
فالولايات المتحدة ما زالت شريكًا أمنيًا رئيسيًا لدول الخليج، بعد عقود من التعاون العسكري والتدريب والتسليح والدفاع الجوي والأمن البحري. وفي المقابل، أصبحت الصين جزءًا أساسيًا من المشهد الخليجي من خلال التجارة والطاقة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا. لكن طبيعة العلاقة الصينية مع الخليج تختلف عن نموذج الشراكة الأمنية الذي طورته واشنطن على مدى عقود.
لذلك، فإن التعامل مع العلاقة بين القوى الكبرى باعتبارها سباقًا على «من يحل محل من» قد يقود إلى قراءة ناقصة للتحولات الجارية.
القوة اليوم لم تعد مجرد عدد القواعد العسكرية أو حجم الأساطيل. الأمن أصبح مرتبطًا بالاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والبيانات والقدرة الصناعية والموارد البشرية. والدولة التي تستطيع حماية منشآتها الحيوية لكنها لا تستطيع تأمين سلاسل توريدها، تملك جزءًا من القوة لا كلها.
والدولة التي تمتلك المال لكنها لا تملك المعرفة الكافية لتحويل الاستثمار إلى قدرة محلية، قد تكون غنية من دون أن تكون أكثر استقلالًا في قرارها.
من هنا تظهر فكرة أكثر أهمية من مجرد تنويع العلاقات: تنويع القدرة أهم من تنويع الشراكات.
تنويع الشراكات يعني أن يكون لديك أكثر من شريك. أما تنويع القدرة فيعني أن تكون قادرًا على الحصول على المعرفة والتكنولوجيا والتمويل والطاقة والأسواق والأمن من أكثر من قناة، وأن تمتلك في الداخل ما يسمح لك بإدارة هذه العلاقات وتحويلها إلى قوة وطنية.
قد تتعامل دولة خليجية مع الولايات المتحدة في الدفاع، والصين في التجارة، وأوروبا في التكنولوجيا، والهند في الخدمات، واليابان وكوريا الجنوبية في الصناعة والطاقة. على الورق، تبدو شبكة العلاقات واسعة ومتوازنة.
لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد ذلك: ماذا بقي داخل الدولة؟
هل تطورت شركات محلية؟ هل ارتفعت مهارات المواطنين؟ هل نشأت مراكز بحث قادرة على تطوير المعرفة؟ هل أصبحت سلاسل الإمداد أكثر مرونة؟ وهل تستطيع الدولة تشغيل وصيانة وتطوير ما تستورده؟ وهل تملك بدائل حقيقية عندما تتغير الظروف؟
إذا كانت الإجابة محدودة، فإن كثرة الشركاء قد تخفي اعتمادًا مستمرًا بدل أن تقلله.
وهذا لا يعني أن الخليج مطالب بالانغلاق أو الاستغناء عن العالم. على العكس، جزء كبير من قوته بُني على الانفتاح؛ فاقتصاداته مرتبطة بالأسواق العالمية، واستثماراتها تمتد عبر القارات، وشركاتها تعتمد على التكنولوجيا والخبرات الدولية.
المطلوب ليس التخلص من الاعتماد الخارجي، لأن ذلك غير واقعي وربما غير مطلوب أصلًا، بل أن يصبح هذا الاعتماد قابلًا للإدارة.
وهنا يظهر الفرق بين «الاستقلال» و«الاستغناء».
الاستقلال الاستراتيجي لا يعني أن تنتج الدولة كل شيء بنفسها، أو تنسحب من النظام الدولي، أو تتعامل مع كل قوة خارجية باعتبارها تهديدًا. يعني أن تمتلك من البدائل والقدرات والمؤسسات والمعرفة ما يمنع علاقة واحدة من التحول إلى نقطة ضعف شاملة.
وهذا أكثر أهمية في الخليج، الذي يقع في قلب ملفات شديدة الحساسية للاقتصاد العالمي: الطاقة، والممرات البحرية، والتجارة، والاستثمار، والتكنولوجيا.
فأمن الموانئ مرتبط بالتجارة، وأمن التجارة مرتبط بالطاقة، وأمن الطاقة مرتبط بالبنية التحتية، والبنية التحتية مرتبطة بالتكنولوجيا، والتكنولوجيا مرتبطة بالمعرفة والمهارات والقدرة على تطوير البدائل.
لهذا فإن السؤال الخليجي الأكثر واقعية ليس: «من سيكون الحامي الجديد؟»، بل: كيف يمكن تحويل العلاقات الخارجية المتعددة إلى منظومة قدرة داخلية؟
قد تأتي التكنولوجيا من الولايات المتحدة أو الصين أو أوروبا، لكن القيمة الاستراتيجية لا تتوقف عند مصدر التكنولوجيا؛ بل عند قدرة الدولة على استيعابها وتطويرها وربطها باقتصادها.
وقد يأتي رأس المال من الخارج، لكن أثره طويل المدى يتوقف على ما إذا كان الاستثمار ينشئ معرفة وشركات ومهارات وسلاسل إنتاج محلية، أم يظل مجرد تدفق مالي يتأثر بتغير الظروف.
وقد تأتي الخبرات من الخارج، لكن القوة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الخبرة المستوردة إلى خبرة محلية قادرة على الاستمرار والتوسع.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة المنافسة الأميركية الصينية بصورة مختلفة. فواشنطن تنظر إلى الخليج ضمن منظومة أمنية واقتصادية وسياسية أوسع، بينما يمثل الخليج بالنسبة إلى بكين عقدة مهمة في التجارة والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا. اختلاف طبيعة العلاقة بين الطرفين يعني أن توسيع العلاقات مع الصين لا يساوي تلقائيًا استبدال الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة.
لذلك، ليس المطلوب أن يختار الخليج بين واشنطن وبكين، بل أن يدير علاقاته مع كل منهما وفق مصالحه، وأن يحافظ في الوقت نفسه على مساحة كافية للمناورة والبدائل.
وهذا يتطلب شيئًا أصعب من توقيع الاتفاقيات: بناء المؤسسات التي تستطيع إدارة التوازنات.
فالتنويع الحقيقي يحتاج إلى معلومات دقيقة، وقدرة على تقييم المخاطر، وقطاع خاص قادر على المنافسة، وجامعات ومراكز بحث، وقاعدة صناعية، وأسواق مالية عميقة، وقوى بشرية متخصصة.
فالقرار لا يصبح أكثر استقلالًا لمجرد أن الدولة أعلنت استقلاله؛ يصبح كذلك عندما تكون خلفه خيارات حقيقية.
إذا كان لديك مصدر واحد، تضيق مساحة التفاوض. وإذا أصبح لديك أكثر من مصدر، اتسع هامش الحركة. وإذا امتلكت القدرة على إنتاج جزء من احتياجاتك بنفسك، اتسع الهامش أكثر. وإذا امتلكت المعرفة التي تسمح لك بتطوير البدائل، أصبحت العلاقة الخارجية وسيلة لتعزيز قوتك، لا شرطًا لاستمرارها.
لهذا قد يكون السؤال الأهم لمستقبل الخليج مختلفًا تمامًا عن السؤال التقليدي: كم أصبح الخليج أقوى بسبب علاقاته؟
فالشراكة الناجحة ليست فقط التي تجلب استثمارًا أو سلاحًا أو صفقة أو مشروعًا، بل التي تترك وراءها قدرة يمكن للدولة استخدامها لاحقًا: معرفة، ومهارات، وصناعة، وبحث وتطوير، وسلاسل إمداد، وأسواق، وأدوات تمويل، وقدرة تفاوضية.
عندها لا يصبح التنافس بين واشنطن وبكين مشكلة يجب على الخليج أن يختار أحد طرفيها، بل بيئة دولية يمكن أن توسع هامش حركته إذا أحسن إدارة موقعه فيها.
لكن التعدد في العلاقات قد يتحول إلى تشتت إذا غابت رؤية واضحة للمصالح الوطنية، وقد يتحول التنويع إلى ازدواجية مكلفة إذا استوردت الدولة الشيء نفسه من مصادر مختلفة من دون بناء قدرة محلية.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس عدد الشركاء، ولا عدد الاتفاقيات، ولا حجم الاستثمارات الأجنبية، بل القدرة على تحويل هذه العلاقات إلى خيارات.
وهنا ربما تكمن إعادة تعريف القوة الخليجية في السنوات المقبلة.
القوة ليست أن يختار الخليج بين واشنطن وبكين، بل أن يكون قادرًا على التعامل مع واشنطن وبكين وغيرهما، وأن يعرف في كل ملف أين تتقاطع مصالحه وأين تختلف، ومتى يحتاج إلى الشراكة، ومتى يحتاج إلى البديل، ومتى يحتاج إلى بناء قدرة محلية.
عندها يصبح تنويع العلاقات سياسة قوة، لا مجرد سياسة تحوط.
وعندها أيضًا يصبح السؤال عن «الحامي الجديد» أقل أهمية.
فالدول لا تصبح أكثر أمانًا لأنها وجدت قوة كبرى تحتمي بها إلى الأبد، بل لأنها بنت شبكة من القدرات والعلاقات والبدائل تجعل أي أزمة أقل قدرة على إجبارها على خيار واحد.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الخليج: ألا يتحول التعدد في الشراكات إلى تعدد في مصادر الاعتماد، بل إلى تعدد في مصادر القوة. سيكون لديه ما هو أهم من الاختيار: القدرة على القرار.

د. رشيد المنصوري لوقت طويل، بدت معادلة أمن الطاقة في الخليج بسيطة: إذا تعطل طريق، وُجد طريق آخر. وإذا أصبح مضيق مصدرًا للخطر، أمكن اللجوء إلى خط أنابيب أو ميناء أو مسار بحري بديل. لكن أزمات 2026 كشفت أن هذه المعادلة لم تعد كافية. المشكلة ليست في وجود الطرق البديلة، بل في قدرتها على العمل [...]

د. ناصر الكعبي لم تعد المسألة الخليجية في 2026 تتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على حماية المنطقة، أو بمدى كفاءة منظومات الدفاع الجوي في اعتراض الصواريخ والمسيّرات. السؤال الأعمق أصبح: ماذا يحدث عندما تتعرض الدولة لضغط عسكري طويل، فيما يُطلب من اقتصادها ومؤسساتها وخدماتها وبنيتها الرقمية أن تواصل العمل بصورة طبيعية؟ هنا يظهر أحد أهم [...]

د. ليلى السالمي كان يمكن النظر إلى مركز البيانات قبل سنوات باعتباره منشأة تقنية: مبنى يضم الخوادم، ويحتاج إلى الكهرباء والتبريد والاتصالات، وتديره شركات متخصصة لخدمة المصارف والمنصات الحكومية والشركات. لكن الحرب غيّرت هذه الصورة. عندما تتعرض منشآت الحوسبة لأضرار خلال الهجمات، ويؤدي خروجها من الخدمة إلى اضطراب خدمات مالية ورقمية، وعندما تدفع المخاطر الأمنية [...]

د. ناصر الكعبي كانت السيادة، في معناها التقليدي، مرتبطة بالأرض والحدود والجيش. ثم اتسع مفهومها ليشمل الاقتصاد والطاقة والعملة، قبل أن يدخل العالم اليوم مرحلة تضيف إلى هذه العناصر قوة أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا: القدرة على إنتاج المعرفة من البيانات، وتحويلها إلى قرار في الوقت المناسب. هنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى السياسة الدولية من باب [...]

د. راشد المنصوري كان سؤال السياسة الدولية في القرن الماضي بسيطًا نسبيًا: من حليفك؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كم خيارًا لديك عندما يتغير موقف حليفك؟ هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في طبيعة العلاقات بين الدول، بل يكشف عن إعادة تعريف لمفهوم القوة نفسه. فالدولة القوية لم تعد تلك التي تمتلك حليفًا [...]

د. ليلى السالمي لم تعد أخطر المناطق في الشرق الأوسط هي تلك التي تقع تحت سيطرة دولة معادية، بل تلك التي لا تخضع بالكامل لسلطة دولة، ولا تمتلك نظامًا مستقرًا لإدارة أمنها وحدودها ومصالحها. هذه المساحات الرمادية تتسع في أكثر من مكان. وعلى امتداد البحر الأحمر، وفي اليمن والسودان وليبيا والعراق وسوريا، لم يعد الفراغ [...]