الرئيسية/مقالات/الخليج في زمن الضربات المركبة
مقالات

الخليج في زمن الضربات المركبة

لم تعد المسألة الخليجية في 2026 تتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على حماية المنطقة، أو بمدى كفاءة منظومات الدفاع الجوي في اعتراض الصواريخ والمسيّرات.

لم تعد المسألة الخليجية في 2026 تتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على حماية المنطقة، أو بمدى كفاءة منظومات الدفاع الجوي في اعتراض الصواريخ والمسيّرات. السؤال الأعمق أصبح: ماذا يحدث عندما تتعرض الدولة لضغط عسكري طويل، فيما يُطلب من اقتصادها ومؤسساتها وخدماتها وبنيتها الرقمية أن تواصل العمل بصورة طبيعية؟

هنا يظهر أحد أهم دروس الحرب: الأمن الحديث لا يعني منع الضربة فقط، بل ضمان استمرار الدولة عندما تنجح بعض الضربات في اختراق منظومة الحماية.

قد تعترض الدولة صاروخًا باليستيًا، لكنها لا تستطيع اعتبار نفسها محصنة بالكامل إذا تعطلت في الوقت نفسه خدمات مصرفية، أو مراكز بيانات، أو اتصالات، أو سلاسل إمداد. فالأمن لم يعد جدارًا حول الدولة، بل قدرة الدولة على مواصلة وظائفها الأساسية عندما يُختبر هذا الجدار.

وقد قدمت أضرار البنية السحابية في الخليج مثالًا واضحًا على هذا التحول. فقد أفادت رويترز في 15 سبتمبر 2026 بأن Amazon Web Services لم تتمكن بعد من استعادة الوصول إلى بنيتها السحابية في البحرين وإحدى مناطق استضافة البيانات في الإمارات، بعد تعرض منشآت لأضرار خلال الحرب. وأدى ذلك إلى اضطراب خدمات واعتماد بعض العملاء على نقل أحمالهم الرقمية إلى مناطق أخرى.

هذه ليست قصة تقنية تخص شركة عالمية فحسب. إنها مؤشر على أن مركز البيانات يمكن أن يتحول، في ظروف الحرب الحديثة، إلى جزء من البنية التحتية الاستراتيجية للدولة، خصوصًا مع توسع الاعتماد على الخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية في المصارف والحكومات والطاقة والنقل والخدمات.

واللافت أن الإمارات بدأت بالفعل إعادة النظر في تصميم بعض مشاريع مراكز البيانات الضخمة، عبر توزيع المنشآت بدل تركيزها في موقع واحد، إلى جانب دراسة منشآت أكثر تحصينًا.

وهنا تظهر الفجوة بين الردع والمرونة.

الردع يحاول منع الخصم من الهجوم أو رفع كلفة الهجوم عليه. أما المرونة فتفترض أن بعض الهجمات قد تقع، وأن الدولة يجب أن تكون قادرة على امتصاص الصدمة واستعادة وظائفها الأساسية بسرعة.

وهذا بالضبط ما يلفت إليه النقاش الاستراتيجي الأميركي حول مستقبل الوجود العسكري في الخليج. فقد خلص تحليل لمعهد ستيمسون إلى أن الحرب أظهرت هشاشة الاعتماد على المنشآت الثابتة، ودفع ذلك إلى التفكير في وجود أكثر توزيعًا، مع الحفاظ على الوصول العسكري والمعدات المسبقة والقدرات الاستخباراتية وخطط التعزيز السريع.

المغزى ليس أن الشراكة مع الولايات المتحدة فقدت قيمتها. على العكس، ما زالت القدرات العسكرية والاستخباراتية واللوجستية الأميركية عنصرًا رئيسيًا في الأمن الخليجي. لكن الحرب أظهرت حدود فكرة أن وجود قوة كبرى في المنطقة يساوي تلقائيًا حصانة كاملة للدول المضيفة.

وهذا يجعل مفهوم «المظلة الأمنية» أقل كفاية من السابق. فالمظلة تستطيع توفير حماية مهمة، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان استمرار كل طبقات الدولة إذا تعرضت البنية التحتية لهجمات متزامنة أو ممتدة.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من أمن قائم على الحماية إلى أمن قائم على تعدد الطبقات.

طبقة عسكرية تحمي المجالين الجوي والبحري. وطبقة تحمي الطاقة والمياه والموانئ والمطارات. وطبقة تحمي مراكز البيانات والاتصالات والكابلات. وطبقة تضمن الغذاء والدواء وسلاسل الإمداد. ثم طبقة مالية واقتصادية تمنع الصدمة الأمنية من التحول إلى أزمة طويلة.

هذه ليست رفاهية استراتيجية. فاقتصادات الخليج تقوم على بنية تحتية شديدة الترابط: الطاقة والموانئ والطيران والمياه والاتصالات والتمويل والخدمات الرقمية. ولذلك فإن تعطل منشأة واحدة قد ينتقل أثره إلى قطاعات أخرى.

وقد أظهرت تحليلات ستيمسون أن الهجمات خلال الحرب طالت قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والخدمات المالية، وأن أضرار مراكز البيانات في الإمارات والبحرين تسببت في اضطرابات لخدمات رقمية متعددة.

من هنا يجب أن يتغير السؤال الخليجي من: كيف نمنع كل ضربة؟ إلى: كيف نمنع الضربة من تعطيل الدولة؟

الفارق بين السؤالين كبير.

الأول يركز على السلاح.
والثاني يركز على النظام.

وهذا يعني الاستثمار في ما يمكن تسميته «هندسة الصمود»: توزيع مراكز البيانات، تعدد مصادر الطاقة، حماية شبكات المياه، تعزيز المخزونات، تنويع طرق التجارة، توفير بدائل للاتصالات، بناء قدرات محلية للصيانة والإصلاح، وتطوير آليات تنسيق إقليمية تستطيع العمل أثناء الأزمات.

ولا يعني ذلك السعي إلى الاكتفاء الذاتي الكامل؛ فهذا غير واقعي في اقتصاد عالمي مترابط. المطلوب هو ألا يكون توقف مورد خارجي، أو منشأة واحدة، أو طريق واحد، قادرًا على شل النظام بأكمله.

وهنا يلتقي الأمن العسكري بالأمن الاقتصادي والرقمي. فالدولة التي تريد أن تكون مركزًا عالميًا للاستثمار واللوجستيات والذكاء الاصطناعي تحتاج إلى ربط خططها الاقتصادية بهندسة أمنية موازية: موانئ آمنة، كهرباء مستقرة، مراكز بيانات موزعة ومحمية، اتصالات بديلة، وقدرة سريعة على استعادة الخدمات.

وهذا يتقاطع مع ما خلص إليه تشاتهام هاوس من أن الحرب تدفع دول الخليج إلى إعادة النظر في ترتيباتها الأمنية وشكل اعتمادها على الولايات المتحدة، مع استمرار أهمية الشراكات الخارجية وتزايد الاهتمام بالقدرات الإقليمية والتكنولوجيا.

لذلك، قد لا يكون مستقبل الأمن الخليجي في الاختيار بين «المظلة الأميركية» و«الأمن الذاتي»، بل في صيغة تجمع بين التحالفات الخارجية، والقدرة الداخلية، والتنسيق الإقليمي.

الحرب لا تلغي التحالفات، لكنها تكشف حدودها.

ولا تلغي الردع، لكنها تكشف الحاجة إلى المرونة.

ولا تجعل الانفصال عن العالم خيارًا، بل تجعل القدرة على العمل داخل عالم مضطرب جزءًا من مفهوم السيادة نفسه.

بعد تجربة 2026، لن يكون السؤال الأكثر أهمية فقط: من يحمي الخليج؟

السؤال الأعمق هو: هل يستطيع الخليج أن يحافظ على عمل دوله واقتصاداته وخدماته عندما تُختبر الحماية إلى أقصى حدودها؟

إذا كانت الإجابة تتجه نحو بناء هذه القدرة، فإن المنطقة لا تخرج من الحرب بمنظومات دفاع أقوى فحسب، بل بمفهوم مختلف للأمن نفسه. من أمن يمنع الخطر، إلى دولة تستطيع الصمود أمامه.

"
“لم تعد المسألة الخليجية في 2026 تتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على حماية المنطقة، أو بمدى كفاءة منظومات الدفاع الجوي في اعتراض الصواريخ والمسيّرات. السؤال الأعمق أصبح: ماذا يحدث عندما تتعرض الدولة لضغط عسكري طويل، فيما يُطلب من اقتصادها ومؤسساتها وخدماتها وبنيتها الرقمية أن تواصل العمل بصورة طبيعية؟ هنا يظهر أحد أهم دروس الحرب: الأمن”
— اليوم ميديا / مقالات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في مقالات ←
القيادة الإيرانية بين الوهم والواقع

القيادة الإيرانية بين الوهم والواقع

وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بلاده بأنها دولة كبيرة مجاورة، ضمن رده على التصريح والموقف الإماراتي الكندي بشأن الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران منذ العام 1971، بالنسبة لي إنكار السيادة والحقوق الإماراتية في جزرها المحتلة ليس بغريب على القيادة الإيرانية فهو موقف متكرر تعودنا عليه، لكن التطرق لحجم الدولة في سياق الحديث عن

عبدالعزيز سلطان المعمري
الأحد، ١ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
للذكاء الاصطناعي وجهان.. وهذا وجهه المضيء

للذكاء الاصطناعي وجهان.. وهذا وجهه المضيء

نفهم من التقرير الصحافي الذي نشرته صحيفة «هلسنكي تايمز» الفنلندية، أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين الأطفال والشباب في فنلندا، في تزايد يوماً بعد يوم. فهذا ما تقول به استطلاعات الرأي هناك، وهذا ما تقوله دارسات واستقصاءات قامت بها مؤسسة الأطفال الفنلندية. ولكن الموضوع له خلفية لا بد أن نراها، لأنه مرتبط في ما يظهر

سليمان جودة
الأحد، ١ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
لا ينبغي للأزهر أن تصبح دالة على البدع 2/2

لا ينبغي للأزهر أن تصبح دالة على البدع 2/2

قضية مؤتمر غروزني في الشيشان في 1437/11/21 للهجرة يوافقه 2016 من أبرز الوقائع التي أثارت خلافًا واسعًا بشأن تعريف أهل السنة والجماعة وموقع السلفيين منهم. ففي ذي القعدة 1437 شارك شيخ الأزهر في افتتاح مؤتمر بعنوان «من هم أهل السنة والجماعة؟»، وألقى كلمة تناولت مفهوم أهل السنة، وأكدت مكانة الأشعرية والماتريدية، وانتقدت الاتجاهات التكفيرية؛ كما

محمد السعيدي
الأحد، ١ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
انتخابات إسرائيلية وأمريكية.. والمصير الواحد!

انتخابات إسرائيلية وأمريكية.. والمصير الواحد!

العالم أجمع يترقب نتائج الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، لما لها من تأثير واضح لم يكن بهذه الدرجة في العقود الماضية، رغم العلاقات الوجودية لإسرائيل مع أمريكا بغض النظر عمن يحكم في أمريكا سواء كان جمهوريا أو ديمقراطيا، على الجانب الآخر تمثل إسرائيل حليفا قويا لأمريكا في أهم حرب تدخلها أمريكا بعد غزو العراق وأفغانستان، حرب واشنطن

عقل العقل
الأحد، ١ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة