الرئيسية/آراء/60 عامًا.. هرمز والدرس الذي تجاهله الخليج
آراء

60 عامًا.. هرمز والدرس الذي تجاهله الخليج

ناقلات نفط وهي تمر داخل مضيق هرمز بين السواحل الجبلية.
📸ناقلات نفط وهي تمر داخل مضيق هرمز بين السواحل الجبلية.
اليوم ميديا

منذ الستينيات، والخليج يتعلم بالطريقة الأصعب أن امتلاك النفط لا يعني بالضرورة امتلاك أمنه. فالثروة تبدأ في الحقول، لكنها لا تكتمل إلا عندما تصل إلى المشتري، وبين الاثنين تمتد شبكة معقدة من خطوط الأنابيب ومحطات الضخ والموانئ والخزانات والسفن والتأمين والممرات البحرية.

وفي قلب هذه الشبكة يقف مضيق هرمز، نقطة ضيقة على الخريطة، لكنها تحمل وزنًا يفوق حجمها الجغرافي بكثير. وعلى مدى ستة عقود، تغيرت المنطقة وتبدلت التحالفات وتوسعت البنية التحتية وظهرت مسارات جديدة لتصدير الطاقة، لكن الحقيقة الأساسية بقيت كما هي: أمن الخليج لا يمكن فصله عن قدرة الطاقة التي ينتجها على الوصول إلى العالم.

منذ انسحاب بريطانيا من شرق السويس عام 1971، دخل أمن الخليج مرحلة مختلفة، ثم جاءت صدمات النفط في السبعينيات، والثورة الإيرانية عام 1979، والحرب العراقية–الإيرانية، وحرب الناقلات في الثمانينيات، ثم غزو الكويت عام 1990، لتجعل حماية طرق الطاقة والتجارة جزءًا ثابتًا من الحسابات الاستراتيجية للمنطقة والقوى الكبرى.

وفي يناير 1980، أعلن الرئيس الأميركي جيمي كارتر أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستُعد تهديدًا للمصالح الحيوية للولايات المتحدة، في موقف أسس لمرحلة جديدة من التعامل مع أمن الخليج وممراته. كان ذلك قبل أكثر من أربعة عقود، لكن السؤال الذي تفرضه أزمة هرمز الحالية يبدو أكثر تعقيدًا من السؤال التقليدي الذي رافق الأزمات السابقة: ماذا يحدث إذا لم يكن الخطر محصورًا في المضيق نفسه؟

الإجابة تبدأ من الاعتراف بأن الخليج لم يقف مكتوف اليدين أمام هذه المخاطر. فقد استثمرت دوله على مدى عقود في خطوط الأنابيب والموانئ والتخزين ومسارات التصدير البديلة، ونجحت بالفعل في تقليل جزء من الاعتماد المباشر على هرمز. لكن المشكلة تكمن في الفارق بين امتلاك بديل وبين امتلاك بديل قادر على استيعاب الصدمة كاملة.

ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ متوسط تدفقات النفط والسوائل النفطية عبر هرمز نحو 20.9 مليون برميل يوميًا في النصف الأول من 2025، أي ما يعادل قرابة 20% من استهلاك السوائل النفطية العالمي ونحو ربع النفط المنقول بحرًا عالميًا، بينما تبلغ القدرة المتاحة عبر خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية لتجاوز المضيق نحو 4.7 ملايين برميل يوميًا. الفارق بين الرقمين يوضح لماذا ظل هرمز، رغم كل الاستثمارات في البدائل، عنصرًا لا يمكن تجاوزه بسهولة في معادلة الطاقة الخليجية والعالمية.

وهنا تتغير زاوية النظر. فالسؤال الذي ظل حاضرًا في النقاش حول هرمز لعقود هو: ما البديل إذا تعطل المضيق؟ أما السؤال الذي تفرضه تطورات 2026 فهو أكثر صعوبة: ماذا يحدث إذا تعرض البديل نفسه للضغط؟ في سبتمبر، تعرض خط أنابيب شرق–غرب السعودي، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لهجوم أدى إلى تعطيل الضخ عبره، قبل أن تستأنف العمليات لاحقًا. وقالت مصادر لـ«رويترز» إن استعادة الخط كامل طاقته قد تستغرق من ستة إلى ثمانية أسابيع بسبب الأضرار التي لحقت بثلاث محطات ضخ. أهمية هذه الواقعة لا تكمن في أنها تثبت فشل الخط، بل في أنها تكشف شيئًا أعمق: المسار الذي صُمم أصلًا لتخفيف الاعتماد على هرمز يمكن أن يتعرض هو الآخر لصدمته الخاصة.

وهذا لا يجعل الاستثمار في البدائل خطأ، بل يوضح قيمته وحدوده في الوقت نفسه. فخط شرق–غرب يمثل أحد أهم عناصر المرونة في البنية النفطية السعودية، وكانت «أرامكو» قد أعلنت أن طاقته تبلغ سبعة ملايين برميل يوميًا. لكن قدرة أي مسار لا تُقاس بالأنبوب وحده؛ فهي ترتبط بمحطات الضخ والموانئ والخزانات والناقلات والتأمين والعمالة والعقود والأسواق التي تستقبل الشحنات. ولذلك فإن وجود مسار بديل قد يمنع توقف التدفقات، لكنه لا يضمن أن تعمل المنظومة بالسرعة والتكلفة نفسيهما اللتين تعمل بهما في الظروف الطبيعية.

هذه هي النقطة التي تجعل مفهوم «المرونة» أكثر أهمية من مجرد البحث عن «بديل». فالبديل هو طريق آخر يمكن استخدامه عندما يتعطل الطريق الرئيسي، أما المرونة فهي قدرة المنظومة بأكملها على امتصاص الصدمة وإعادة توزيع التدفقات عندما تتعرض أكثر من حلقة للضغط. والفرق بين المفهومين يبدو نظريًا في أوقات الهدوء، لكنه يصبح عمليًا جدًا عندما تتزامن المخاطر. فإذا اضطر النفط إلى تغيير مساره، احتاج إلى ميناء آخر؛ وإذا زاد الاعتماد على ذلك الميناء، احتاج إلى مزيد من الناقلات؛ وإذا ارتفع الطلب على الناقلات، ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين؛ وإذا استمر الاضطراب، تحولت كلفة النقل نفسها إلى جزء من أزمة الطاقة.

وقد بدأت هذه الحلقة بالظهور في الأزمة الحالية. فمع اضطراب مسارات البحر الأحمر، توسعت عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى قرب عُمان لإعادة توزيع الشحنات. ووفق «رويترز»، بلغ حجم النفط المنقول بهذه الطريقة نحو 2.5 مليون برميل يوميًا في سبتمبر، مقابل نحو 1.4 مليون برميل يوميًا في أغسطس، لكن هذا المسار جاء بتكلفة مرتفعة مع صعود أسعار نقل الناقلات العملاقة إلى مستويات قياسية. ثم، في 25 سبتمبر، أفادت «رويترز» بأن عمليات النقل من سفينة إلى أخرى في خليج عُمان وصلت إلى حدود طاقتها، في وقت أدت فيه إعادة توجيه صادرات سعودية من البحر الأحمر إلى زيادة الضغط على هذا المسار. وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الأزمة وضوحًا: الحل الذي يُستخدم لتخفيف الاختناق يمكن أن يتحول، إذا زاد الاعتماد عليه بسرعة، إلى اختناق جديد.

ولا تتوقف المسألة عند النفط. فهرمز يحمل أيضًا تدفقات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل اضطراب الملاحة فيه قضية تتجاوز سوق الخام إلى الكهرباء والصناعة والتجارة العالمية. وهذه نقطة مهمة لأن أمن الطاقة لا يتعلق فقط بوجود الوقود في باطن الأرض، وإنما بقدرة منظومة النقل والتجارة على إيصال هذا الوقود في الوقت والتكلفة المناسبين. فالسفينة التي تتأخر لا تعوضها زيادة الإنتاج وحدها، والبرميل الموجود في الخزان لا يصبح صادرات إلا عندما يجد طريقًا آمنًا واقتصاديًا إلى المشتري، والغاز الموجود في الحقل لا يحل أزمة محطة تنتظر شحنة لم تصل في موعدها.

لهذا السبب، فإن أزمة هرمز الحالية لا تحتاج إلى قراءة تقوم فقط على سؤال الإغلاق أو عدم الإغلاق. فالمضيق قد يستمر في استقبال جزء من حركة الملاحة، لكن ذلك لا يعني أن التجارة تعمل في الظروف نفسها التي كانت تعمل فيها قبل الأزمة. فقد أظهرت بيانات تتبع السفن التي نقلتها «رويترز» انخفاضًا حادًا في حركة سفن السلع عبر المضيق، بينما استمرت بعض تدفقات النفط. وهذا التفصيل مهم؛ لأن الاقتصاد لا يحتاج فقط إلى ممر مفتوح، وإنما إلى ممر يمكن الاعتماد عليه، بتكلفة ودرجة مخاطرة تسمحان باستمرار التجارة.

وهنا ربما تكمن إحدى أهم خلاصات السنوات الستين الماضية. فالأمن لا يُقاس فقط بعدد الطرق المتاحة، وإنما بقدرة الشبكة على مواصلة العمل عندما تتعرض عدة نقاط للضغط في الوقت نفسه. وهذا يغير معنى التنويع نفسه؛ فالتنويع الحقيقي لا يعني أن تمتلك ثلاثة مخارج بدل مخرج واحد فحسب، بل أن تكون هذه المخارج مدعومة بمخزونات كافية، وقدرات إصلاح سريعة، وموانئ متعددة، وأساطيل نقل مرنة، وأسواق قادرة على استيعاب التحولات، وأن تكون نقاط الاختناق موزعة بحيث لا يؤدي تعطل واحدة منها إلى شل البقية.

وهذا هو الانتقال من هندسة البدائل إلى هندسة المرونة. الأولى تسأل: أين نذهب إذا تعطل هذا الطريق؟ أما الثانية فتسأل: كيف تستمر المنظومة إذا تعطل هذا الطريق، وارتفعت كلفة التأمين، ونقصت الناقلات، وتعرض مسار آخر للضغط في الوقت نفسه؟ السؤال الثاني أصعب، لكنه أقرب إلى طبيعة المخاطر التي تواجهها المنطقة اليوم. فدول الخليج لا تستطيع تغيير موقع هرمز، ولا تستطيع تحويل جميع صادراتها إلى مسارات برية، ولا يمكنها افتراض أن كل أزمة ستبقى محصورة في نقطة واحدة. لكنها تستطيع تقليل قدرة حادث واحد أو مجموعة محدودة من الحوادث على تحويل اضطراب مؤقت إلى أزمة واسعة.

وهنا ينبغي أن يتغير شكل الاستثمار في أمن الطاقة خلال السنوات المقبلة. فبناء خط أنابيب جديد مهم، وتوسيع ميناء مهم، وزيادة المخزونات مهمة، لكن الأهم هو النظر إلى هذه العناصر باعتبارها شبكة واحدة. كم يستغرق إصلاح خط تعرض لهجوم؟ كم ميناء يستطيع استقبال التدفقات إذا تعطل ميناء رئيسي؟ كم ناقلة يمكن توفيرها إذا ارتفع الطلب فجأة؟ وما مقدار الزيادة في تكلفة النقل التي تستطيع الأسواق تحملها قبل أن تتحول المشكلة اللوجستية إلى أزمة اقتصادية؟ هذه الأسئلة أقل بريقًا من الإعلان عن مشروع جديد، لكنها قد تكون أكثر أهمية عندما تبدأ الأزمة.

لقد تغير الخليج كثيرًا خلال ستة عقود، وربما يكون هذا التغير نفسه هو ما يجعل الدرس أكثر إلحاحًا اليوم. فالمنطقة أصبحت تمتلك بنية تحتية أضخم، واحتياطيات مالية أكبر، وقدرات إنتاجية ولوجستية أكثر تنوعًا، لكن اتساع المنظومة يعني أيضًا أن نقاط الضعف لم تعد محصورة في مضيق واحد. هرمز يمثل عقدة بحرية، والبحر الأحمر يمثل عقدة أخرى، والمنشآت البرية والموانئ وأساطيل الناقلات والتأمين وسلاسل الإمداد تشكل حلقات مترابطة. وكلما زاد الترابط، أصبحت القدرة على امتصاص الصدمة أهم من القدرة على تجنبها بالكامل.

ولهذا فإن السؤال الخليجي الأهم بعد أزمة هرمز الحالية ربما لم يعد: ماذا نفعل إذا أُغلق المضيق؟ فهذا السؤال يفترض أن الخطر يبدأ وينتهي عند هرمز. السؤال الأعمق هو: ماذا نفعل إذا لم يكن هرمز وحده هو المشكلة؟ عندها يصبح أمن الطاقة مشروعًا طويل الأجل لبناء منظومة تستطيع فقدان طريق، ومواجهة أزمة أخرى، وتحمل ارتفاع التكلفة، ثم مواصلة العمل دون أن يتحول الاضطراب إلى شلل.

بعد ستة عقود من الأزمات، لا يحتاج الخليج إلى مزيد من الطرق فحسب؛ إنه يحتاج إلى منظومة تستطيع أن تستمر عندما تتعطل بعض الطرق. فالقوة في أمن الطاقة ليست في أن يكون لكل طريق بديل، وإنما في ألا يستطيع تعطل طريق واحد، أو حتى أكثر من حلقة، إسقاط المنظومة كلها.

"
“منذ الستينيات، والخليج يتعلم بالطريقة الأصعب أن امتلاك النفط لا يعني بالضرورة امتلاك أمنه. فالثروة تبدأ في الحقول، لكنها لا تكتمل إلا عندما تصل إلى المشتري، وبين الاثنين تمتد شبكة معقدة من خطوط الأنابيب ومحطات الضخ والموانئ والخزانات والسفن والتأمين والممرات البحرية. وفي قلب هذه الشبكة يقف مضيق هرمز، نقطة ضيقة على الخريطة، لكنها تحمل”
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء ←
البحر الأحمر: من يملك تعريف الأمن؟

البحر الأحمر: من يملك تعريف الأمن؟

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر بحري يصل آسيا بأوروبا، ولا مجرد طريق تختصر عبره السفن المسافة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط. خلال السنوات الأخيرة تحول هذا الممر إلى اختبار حقيقي لمعنى الأمن نفسه: من يعرّف الخطر؟ ومن يقرر متى تصبح حماية الملاحة قضية عسكرية؟ ومن يتحمل كلفة الأمن عندما تتداخل مصالح الدول الساحلية مع

محرر اليوم ميديا
الجمعة، ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
هل نساء السودان ساحة للصراع والانتقام؟

هل نساء السودان ساحة للصراع والانتقام؟

أرقام ومعلومات مروعة تحدثت عنها وزيرة الدولة للشؤون الاجتماعية في السودان سليمى إسحاق في حديث لقناة «العربية» هذا الأسبوع، حول الجرائم والانتهاكات التي تعرضت لها نساء وفتيات سودانيات من اغتصاب جماعي، واستعباد جنسي، وتزويج قسري، وإكراه على العمل في الجنس، وتعذيب جنسي، وإتجار بالأشخاص بغرض الاستغلال الجنسي، وحقيقة الأرقام وحدها تكفي لفتح واحدة من أكثر

محرر اليوم ميديا
الخميس، ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
أيتهما أكثر قوة… السعودية أم إيران؟

أيتهما أكثر قوة… السعودية أم إيران؟

في خضمِّ الحربِ الحاليةِ كثيراً ما يُطرح تساؤلٌ عن لماذا إيرانُ الدولة الأقل مواردَ مالية والمحاصرة، أقدرُ على القتالِ من دول الخليج مثل السعودية، وهل هناكَ خَطبٌ ما وراء ذلك؟ هذا الاستنتاج أنَّ إيرانَ نموذجٌ لـ«التَّفوق» يُقال لسنينَ طويلةٍ بسبب «انتصارات» عسكريةٍ حقَّقتها ضدَّ أكثرَ من نصفِ دول المنطقة وليس إسرائيل فقط. جزئيّاً هذا صحيحٌ،

محرر اليوم ميديا
الخميس، ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

محرر اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة