
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر بحري يصل آسيا بأوروبا، ولا مجرد طريق تختصر عبره السفن المسافة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط. خلال السنوات الأخيرة تحول هذا الممر إلى اختبار حقيقي لمعنى الأمن نفسه: من يعرّف الخطر؟ ومن يقرر متى تصبح حماية الملاحة قضية عسكرية؟ ومن يتحمل كلفة الأمن عندما تتداخل مصالح الدول الساحلية مع مصالح القوى البحرية والتجارة العالمية؟ هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحًا مع استمرار المخاطر حول البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، وهي منطقة تتقاطع فيها طرق التجارة الدولية مع صراعات إقليمية تتجاوز حدود المياه التي تجري فيها.
المفارقة أن البحر الأحمر ظل يُنظر إليه طويلًا باعتباره طريقًا دوليًا أكثر من كونه مساحة أمنية متكاملة. فالسفن تعبره في طريقها بين قناة السويس وخليج عدن، بينما تتوزع مسؤولية أمنه بين دول ساحلية متعددة وقوى بحرية دولية ومنظمات إقليمية ودولية. لكن الهجمات التي استهدفت الملاحة الدولية منذ أواخر 2023 كشفت أن حرية الملاحة لا يمكن فصلها عن البيئة السياسية والأمنية للدول التي تقع على جانبي الطريق. وتقول المنظمة البحرية الدولية إنها تتابع عشرات الحوادث المؤكدة التي طالت الشحن الدولي في منطقة البحر الأحمر منذ يناير 2024، كما أدانت هجمات متجددة على السفن التجارية وحذرت من آثارها على البحارة وسلاسل الإمداد العالمية.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. عندما تنظر شركات الشحن إلى البحر الأحمر من زاوية المخاطر التجارية، فإن الأمن يعني بالنسبة إليها سفينة تستطيع الإبحار، وطاقمًا يستطيع العودة سالمًا، وتأمينًا يمكن الحصول عليه، وجدولًا زمنيًا يمكن الالتزام به. أما بالنسبة إلى دولة ساحلية، فقد يعني الأمن حماية مياهها وموانئها وسيادتها ومنع تحول أراضيها إلى نقطة انطلاق لتهديد الآخرين. وبالنسبة إلى قوة بحرية دولية، يصبح الأمن مرتبطًا بحرية الملاحة وحماية التجارة ومنع تعطيل أحد أهم خطوط الاتصال بين الأسواق. كل تعريف من هذه التعريفات ينطلق من مصلحة حقيقية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتصرف أحدها وكأنه التعريف الوحيد للأمن.
تجربة البحر الأحمر تقول إن حماية السفن وحدها لا تحل المشكلة. فالاتحاد الأوروبي أنشأ عملية «أسبيدس» عام 2024 لحماية الملاحة التجارية من الهجمات، وتؤكد المهمة نفسها أن دورها دفاعي ويشمل حماية السفن التجارية ودعم البحارة والمساهمة في أمن طرق الملاحة الدولية. وفي سبتمبر 2026، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن المهمة تحتاج إلى أكثر من عشرة سفن حربية لمواجهة مستوى التهديد المتزايد، في وقت كان فيه عدد السفن العاملة ضمن المهمة ست سفن بحسب دبلوماسيين نقلت عنهم رويترز.
هذه الأرقام لا تقدم حكمًا نهائيًا على قدرة «أسبيدس»، لكنها تكشف شيئًا أهم: حماية ممر بحري بهذا الحجم ليست مهمة يمكن اختزالها في وجود عسكري رمزي. فالمهمة الأوروبية تستطيع مرافقة السفن وحمايتها في ظروف محددة، لكنها لا تستطيع وحدها إزالة الأسباب السياسية والأمنية التي تنتج المخاطر من الأساس. ولهذا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا من عدد السفن الحربية الموجودة في البحر؛ إذ يتعلق بمنظومة كاملة تبدأ من المعلومات والإنذار المبكر، ولا تنتهي عند المرافقة البحرية.
وفي المقابل، فإن تركيز الأمن على القوة البحرية وحدها يحمل خطرًا آخر، لأنه قد يجعل البحر يبدو منفصلًا عن اليابسة. لكن البحر الأحمر لا يعيش خارج جغرافيته السياسية. فالسواحل اليمنية والصومالية والجيبوتية والسودانية وغيرها ليست مجرد حدود على خريطة بحرية، وإنما فضاءات سياسية واقتصادية وأمنية تؤثر بصورة مباشرة في البيئة التي تتحرك داخلها السفن. ولهذا شددت المنظمة البحرية الدولية في سبتمبر 2026 على أن التعاون الإقليمي في البحر الأحمر وخليج عدن ضروري لمواجهة القرصنة والسطو المسلح والتوترات الجيوسياسية والجريمة المنظمة، مع التركيز على تبادل المعلومات والوعي بالمجال البحري وتنسيق الاستجابة للحوادث.
وهنا تظهر فجوة طالما حاولت المقاربات العسكرية تجاوزها: الأمن البحري المستدام يحتاج إلى قدرة محلية على إدارة السواحل والموانئ، وإلى مؤسسات قادرة على تبادل المعلومات والاستجابة للحوادث، وإلى تعاون إقليمي لا يجعل كل أزمة مناسبة لتوسيع التنافس بين القوى الخارجية. فالسفينة التي تعبر بأمان اليوم لا تعني بالضرورة أن الطريق أصبح آمنًا غدًا، كما أن وجود قوة بحرية دولية لا يعني أن البيئة السياسية المحيطة بالممر أصبحت مستقرة.
والدليل يأتي من الاقتصاد نفسه. شركات الشحن لا تتعامل مع الأمن بوصفه مفهومًا عسكريًا فقط؛ إنها تحوله إلى حسابات تتعلق بالوقت والتأمين والوقود والمخاطر والتزامات التسليم. وفي سبتمبر 2026 أعلنت «ميرسك» و«هاباغ-لويد» تعديلات على عدد من خدماتهما للعودة إلى مسار البحر الأحمر بدل الدوران حول رأس الرجاء الصالح، مع تأكيدهما أن استمرار هذه القرارات سيظل مرتبطًا بتقييم الوضع الأمني. وتوضح هذه الخطوة أن عودة الملاحة ليست قرارًا سياسيًا فقط، وإنما قرار تجاري قابل للتغير عندما تتغير حسابات المخاطر.
وهذا يقود إلى فكرة أكبر: الأمن البحري ليس حالة ثابتة، وإنما قدرة على استمرار الحركة رغم تغير المخاطر. فإذا اضطرت شركات النقل إلى تغيير مساراتها كلما ارتفع مستوى التهديد، فإن الطريق يفقد جزءًا من قيمته الاقتصادية حتى لو بقي مفتوحًا من الناحية القانونية. وإذا أصبح عبور السفينة ممكنًا لكن بتكلفة أعلى بكثير من السابق، فإن الأزمة لم تعد أمنية فقط؛ لقد تحولت إلى مشكلة اقتصادية تمتد آثارها إلى المستهلك والأسواق وسلاسل الإمداد.
لهذا فإن البحر الأحمر يفرض على دول المنطقة والقوى الدولية إعادة التفكير في معنى حماية الممرات البحرية. هل المطلوب فقط منع الهجمات على السفن؟ أم بناء منظومة تجعل الهجوم أقل قدرة على تعطيل التجارة؟ الفرق بين السؤالين كبير. الأول يركز على رد الفعل، بينما الثاني يركز على المرونة؛ أي قدرة الطريق على الاستمرار عندما يتعرض للضغط، وقدرة الدول والشركات على التعامل مع الخطر من دون أن يتحول كل حادث إلى أزمة عالمية.
وهنا تتقاطع قصة البحر الأحمر مع مضيق هرمز. فحين تتعرض أكثر من نقطة استراتيجية في المنطقة للاضطراب في الوقت نفسه، تصبح فكرة «الطريق البديل» أقل بساطة مما تبدو عليه على الخرائط. قد تستطيع سفينة أن تغير مسارها، لكن ليس بالضرورة أن تستطيع شبكة التجارة بأكملها أن تفعل ذلك من دون تكلفة كبيرة. ولذلك فإن أمن الممرات البحرية لا يتعلق فقط بحماية كل نقطة على حدة، وإنما بقدرة النظام التجاري الأوسع على امتصاص الصدمات عندما تتزامن الأزمات.
وربما هنا تكمن المسألة التي تستحق أن تشغل دول البحر الأحمر والخليج أكثر من سؤال عدد السفن الحربية: من يملك تعريف الأمن؟ إذا كان الأمن يعني فقط حماية السفن الأجنبية، فقد تبقى أسباب عدم الاستقرار داخل الدول الساحلية خارج الحساب. وإذا كان يعني فقط حماية سيادة الدول الساحلية، فقد تُهمَل حقيقة أن الممر جزء من اقتصاد عالمي يتجاوز حدودها. وإذا كان يعني فقط الردع العسكري، فقد يتحول البحر إلى مساحة مفتوحة للمواجهة بدل أن يكون طريقًا مستقرًا للتجارة.
الأقرب إلى الاستدامة هو تعريف أوسع للأمن يبدأ من حق السفن والبحارة في المرور الآمن، لكنه لا يتوقف عند ذلك. الأمن البحري يحتاج إلى دول ساحلية قادرة على إدارة سواحلها وموانئها، وإلى آليات إقليمية لتبادل المعلومات، وإلى قدرات إنذار واستجابة سريعة، وإلى وجود دولي يحمي حرية الملاحة من دون أن يحول المنطقة إلى ساحة نفوذ عسكري دائم. والأهم أنه يحتاج إلى معالجة سياسية للنزاعات التي تجعل البحر امتدادًا للصراع على البر.
في النهاية، لا يملك البحر الأحمر طرفًا واحدًا يستطيع أن يقول إنه يملك أمنه وحده. الجغرافيا نفسها ترفض هذا التصور؛ فباب المندب يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وقناة السويس تربطه بالمتوسط، والسواحل المطلة عليه تقع تحت سيادة دول مختلفة، بينما تمر عبره مصالح تجارية تتجاوز المنطقة بكثير. ولهذا فإن الأمن الذي يصمد في البحر الأحمر ليس أمن طرف واحد، وإنما أمن شبكة كاملة من المصالح والمسؤوليات.
وقد يكون هذا هو الدرس الأهم: بدل أن يسأل كل طرف كيف يحمي طريقه، ينبغي أن يسأل كيف يجعل الطريق قادرًا على الاستمرار عندما تتغير موازين القوة وتتعقد مصادر الخطر. فالسفن الحربية يمكن أن تحمي الممر، والشركات يمكن أن تغير مساراتها، والدول يمكن أن تعزز قدراتها؛ لكن الأمن الحقيقي يبدأ عندما تصبح هذه العناصر جزءًا من منظومة واحدة لا تعتمد على رد الفعل وحده.
البحر الأحمر ليس ملكًا لقوة بحرية، ولا لدولة ساحلية، ولا لشركة شحن. إنه ممر تتقاطع فيه مصالح الجميع، ولذلك فإن تعريف أمنه لا يمكن أن يكون قرارًا منفردًا. فحين يصبح الأمن مسؤولية مشتركة، يصبح الطريق أكثر قدرة على الصمود؛ وحين يتحول إلى تعريف يتبناه كل طرف منفردًا، يبقى البحر مفتوحًا على الخرائط، لكنه يظل معرضًا للإغلاق أمام الثقة والتجارة.
التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *