غيبوبة شهريار، مثقفو النقل، المثقف العربي، الثقافة العربية، قراءة التاريخ، الماضي والحاضر، التراث، الوعي الثقافي، الفكر العربي، المستقبل، النهضة، طلال الخزرجي
في زحمة التحولات الكبرى التي يعيشها العالم اليوم، من ثورات تكنولوجية إلى متغيرات جيوسياسية، نجد في العالم العربي والإسلامي ظاهرة لافتة ومقلقة في الوقت نفسه: مثقفين يغوصون في أعماق التاريخ، يسردون القصص والروايات، ويعيشون في الماضي بكل تفاصيله، وكأنهم مواطنون هناك لا هنا. إنهم يحيطون بسرير شهريار وهو في غيبوبته الطويلة، لكنهم ليسوا حراساً ولا خَدَماً؛ إنهم أشبه بشهرزادات هذا العصر، يحتضنون الملك النائم بحنان، ويضعون رأسه في حضنهم الدافئ، ويمسحون على جبينه، وهم يهمسون في أذنه بأجمل القصص الوردية عن أمجاد الأسلاف وعصور ذهبية لا يشوبها نقص. وهم لا يدرون أن الملك نائم، بل الأسوأ أن كثيراً منهم لا يريد له أن يصحو، لأن صحوته تعني نهاية دورهم، وبداية مواجهة واقع لا تستطيع حكاياتهم الجميلة تفسيره.
هؤلاء يمكن تسميتهم «مثقفي النقل» أو «مؤرخي الهروب»، أولئك الذين جعلوا من الماضي ملاذاً آمناً من واقع مؤلم، وقدسوه دون تمحيص، وأصبحوا أسرى سردية واحدة لا تقبل النقاش ولا تحتمل التأويل؛ ينقلون التاريخ ولا ينقبون في آلياته، ويجملونه ولا يستخرجون العبر منه، وكأنهم يملكون مرآة تعكس صورة مثالية للماضي فقط، فلا يرى الحاضر ولا يستشرف المستقبل.
وهنا يلتقي التحليل النفسي الفردي مع الظاهرة الثقافية الجمعية، فكما يبرر الفرد لنفسه أخطاءه وضعفه ليستطيع النوم بهدوء، يفعل هؤلاء المثقفون الأمر نفسه على نطاق أوسع، إذ يبررون للأمة تخلفها بتزيين الماضي، ويبررون لأنفسهم عجزهم عن مواجهة الحاضر بالانكفاء على أمجاد الأسلاف. ويمكن تفسير هذه الظاهرة سيكولوجياً بثلاث آليات رئيسية: أولها الهروب عبر التخدير السردي، حيث يصبح الماضي جنة مفقودة ومسكناً للألم كلما كانت روايته جميلة وبعيدة عن الواقع؛ وثانيها صدمة الجمود الحضاري، حيث يخلق الشعور بالتخلف رغبة لا واعية في التعويض باستحضار المجد بالكلام، وكأنه تهويدة مسائية تعوض غيابه في الواقع، فيتحول الماضي إلى أيديولوجيا كاملة لا تقبل المراجعة؛ وثالثها التواطؤ العاطفي، حيث يُسقط المثقف آلامه على فترات تاريخية معينة، فيراها عصوراً ذهبية خالية من مشكلات الحاضر، متناسياً أن تلك العصور عرفت بصراعاتها ودمائها أيضاً، وكأنه يبحث عن وطن آمن في زمن مضى لأن الحاضر قاسٍ والمستقبل مخيف. وهكذا يتحول المثقف من مفكر ناقد إلى ملحن يكتب نوتته التي ترقص على جراح الأمة، تلهي الملك والرعية بحكايات الأمس، بدلاً من أن توقظهما لمواجهة تحديات اليوم.
والأخطر من ذلك أن هذه الآلية تنتقل من المثقفين إلى الجماهير، فعندما يغذي المثقفون المجتمع بالقصص الوردية عن الماضي، يخلقون ثقافة كاملة تقوم على تبرير الواقع بدلاً من تغييره، فيصبح الفشل الحضاري مقبولاً لأننا «أصحاب حضارة عظيمة»، ويصبح التخلف العلمي مفهوماً لأن «أسلافنا كانوا علماء»، وهكذا تنغلق حلقة مفرغة من التبرير الجماعي الذي يمنع النهضة الحقيقية.
نحن هنا لا نطلب التخلي عن التاريخ، فهذه دعوة عبثية، بل نريد علاقة مختلفة معه. نحتاج مثقفين يتعاملون مع الماضي كمختبر للتجارب الإنسانية، يفككون آلياته ليفهموا كيف تشكل الواقع الحالي، وكيف يمكن استشراف المستقبل. نحتاج من يقرأ سقوط المدن والحضارات ليستخلص قوانين الانهيار وعوامل السقوط، لا ليجملها في قصة قبل النوم. نحتاج من يحاكم شخصيات التاريخ وفق معايير إنسانية معاصرة، لا وفق منطق التبرير والتهويل وتقديس الأسلاف.
إن الجرأة المطلوبة هنا متعددة الأوجه: جرأة التفكيك، التي تعني تشريح التاريخ بعين الناقد لا عين العاشق؛ وجرأة المقارنة الموضوعية بين آليات الماضي والحاضر، لاستخلاص الفروق وأوجه التشابه بهدف الفهم، لا إثبات التفوق؛ وجرأة المحاكمة العلنية للشخصيات التاريخية دون خوف من سطوة الموروث؛ وأخيراً، جرأة الاعتراف بأننا كنا مخطئين في بعض فهمنا للماضي، لأن إيقاظ شهريار من غيبوبته والاعتراف بأن القصص الوردية لم تكن سوى مسكنات هو مدخل للتطور، وليس انهزامية. هذه المواجهة مؤلمة، لكنها وحدها القادرة على إخراجنا من غيبوبتنا الطويلة، لأنها تعني أن نعترف بأننا لسنا أبطال القصة دائماً، وأن أسلافنا كانوا بشراً يصيبون ويخطئون، وأن العصور الذهبية لم تكن خالية من العيوب.
المثقف الذي نحتاجه اليوم هو «مهندس الزمن الثلاثي»: يحفر في الماضي بمنهجية ناقدة لا بهوس عاطفي، ويفكك الحاضر بوعي وإدراك لتعقيداته وتشابكاته العالمية، ويبني المستقبل بجرأة ومسؤولية وبأدوات معرفية معاصرة. هذا المثقف لا يقدس الماضي ولا يرويه كأسطورة تبعث على النوم، بل يتعامل معه كأداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، مدركاً أن العبرة ليست في تكرار الماضي، بل في استخلاص قوانينه لصناعة مستقبل مختلف. وهو النقيض التام لشهرزادات العصر، لأنه لا يهمس في أذن الملك النائم، بل يصيح في وجهه ليوقظه، لا يروي له قصصاً وردية، بل يحذره من أخطاء التاريخ كي لا يكررها، ويدفعه لمواجهة تحديات اليوم وصناعة مستقبل أفضل.
والتمييز هنا دقيق لكنه مصيري، وهو لب المشكلة: هناك فرق جوهري بين من يحتضن الماضي لينام في الحاضر، ومن يجعل الماضي يعيش فيه كدافع للصحوة؛ فالأول هارب من واقعه، يستعمل ثراء الماضي كغطاء لفقر الحاضر، فيبرر تقاعسه بأنه وريث حضارة عظيمة، فينام قرير العين على وسادة الماضي الناعمة، بينما الثاني يستثمر تاريخه ويتعلم من أخطائه كما يتعلم من نجاحاته، ويحول دروس الماضي إلى أدوات بناء تغيّر واقعه.
الأول شهرزاد معاصرة تطيل غيبوبة شهريار بقصصها الخلابة، تخدره وتخدر الأمة معه، بينما الثاني مفكر استشراف يصنع صحوة ممكنة، يوقظ العقول ويدفعها للعمل والإبداع.
وهنا يتجلى المعنى العميق لهذا المقال: إن الموروث إما أن يصنع إنساناً أو كومة من العقد. فالماضي الذي نحمله في وجداننا، إن تعاملنا معه بوعي نقدي واستخلصنا دروسه، صنع منا بشراً قادرين على الإبداع والبناء؛ أما إن غفونا على وسادته الناعمة هرباً من تحديات الحاضر، فسيظل عبئاً نفسياً وفكرياً ثقيلاً، يخلق أجيالاً مشلولة الفكر والإرادة، تعيش على استحضار المجد ولا تصنعه، تردد أمجاد الأسلاف ولا تضيف إليها شيئاً.
إن معرفة هذا الفرق الدقيق هي بداية الطريق نحو نهضة حقيقية منشودة، وربما هي أيضاً بداية أن يمل شهريار من القصص الوردية، فيفتح عينيه، ويلملم جراحه، ويرى العالم كما هو، لا كما ترويه له شهرزاد كل ليلة.
فهل تجرؤ شهرزادات اليوم على إيقاظ الملك؟ أم سيظل همسهن العذب يخدر الأمة حتى تركد في غيبوبتها الأبدية؟


التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *