
منذ بدايات القرن السابع عشر كانت التجمعات القبلية فى الجزيرة العربية، أو حول سواحل الخليج ذات علاقات وطيدة مع مصر، وقد سعى إليها الكثيرون لطلب العلم أحيانًا ومواصلة التجارة أحيانًا أخرى، فضلاً عن الارتباط الدينى الذى كانت تجدده كل عام رحلات الحج إلى بيت الله الحرام، سواء كانت قادمة من مصر، أو من دول المغرب العربى، عندما كان الحج بالجمال أحيانًا قبل حفر قناة السويس، وبالقوافل البحرية عبر البحر الأحمر بعد ذلك، وكان تطلع أهل الخليج شرقًا إلى إيران والهند وغيرهما من الدول المعروفة بنشاطها التجارى وثرائها الثقافى، بينما تطلع الآخرون غربًا نحو منطقتى نجد والحجاز وصولاً إلى مصر حتى اصطدم محمد على وابنه إبراهيم باشا بالتمرد الوهابى على العثمانيين وكلف الخليفة والى مصر بقمع الاحتجاجات ووأد الفتنة مما ترك آثارًا سلبية فى العلاقة بين بعض القبائل العربية فى الحجاز ومصر لعدة عقود، حيث تكونت لدى بعض زعماء التجمعات القبلية درجة من الفتور نحو مصر، ولكن الأوضاع تغيرت بعد ذلك وتبدلت الظروف، وبرز المفهوم القومى للعروبة محتويًا سكان (الإمارات المتصالحة) وصولاً إلى الساحل العمانى وتواصلاً مع القرن الإفريقى بل وسعى الكثيرون إلى الأزهر الشريف طلبًا للعلم، فتزايدت أعداد الطلاب العرب فى الجامعات المصرية، وبدأ الخليجيون ينظرون إلى مصر نظرتهم إلى المستقبل ويشعرون نحوها بكثير من المودة والمحبة لاسيما تجاه القاهرة، وقد أسهم فى ذلك المعدل المتزايد من أبناء الخليج الذين وفدوا إلى مصر وأصبح هواهم مصريًا إلى حد بعيد، ثم استطاع الملك الموحد عبدالعزيز آل سعود الكبير أن يجمع أطراف الجزيرة فى عاصمة مركزية هى الرياض بعدما تمكن من تثبيت دعائم ملكه وتوحيد مملكته وتقوية ركائز حكمه، واقترن ذلك بظهور الزيت الخام فى صحراء الجزيرة العربية، وتطلع الخليجيون بحماس وشغف للمد القومى الناصرى فى النصف الثانى من القرن العشرين، وأصبحت القاهرة فى التعليم والصحة والثقافة والأدب مركز جذب لأجيال من أبناء الخليج وبناته، وبرزت القومية العربية شعارًا لأبناء ذلك الجيل على الجانبين السعودى الخليجى وعلى الجانب الآخر المصرى الإفريقى، وتميزت ستينيات القرن الماضى بحماس خليجى على المستوى الشعبى للتيار الناصرى الوافد من القاهرة، حتى إن بعض أبناء الكويت الناصريين كانوا يحدقون فى سماء وطنهم عندما علموا أن طائرة الرئيس عبدالناصر سوف تمرق فوق أجواء الكويت فى طريق زيارته الرسمية لباكستان! ونحن لا ننكر أن العلاقات المصرية السعودية قد تأرجحت صعودًا وهبوطًا فى تلك الفترة حيث أدى التدخل المصرى فى حرب اليمن غداة ثورته بقيادة الرئيس عبدالله سلال إلى انقسامات حزبية وشعبية أثرت بالضرورة على العلاقات المصرية الخليجية، ثم كان اتفاق جدة بين الملك فيصل بن عبدالعزيز والرئيس جمال عبدالناصر خاتمة لتلك الفترة المضطربة فى العلاقات بين البلدين، وكانت نكسة عام 1967 هى الضربة القاصمة التى دفعت العرب إلى الثأر وإزالة العدوان ولعب العاهل السعودى ومعه حكام الكويت والإمارات دورًا قويًا فى تقريب المسافات بين القوى المتناحرة لأكثر من عقد كامل، حتى كان مؤتمر القمة العربية فى الخرطوم تتويجًا حقيقيًا استرد به الجميع ثقتهم فى قوميتهم، بل واستعادت به الدول العربية حماسها تحت شعار ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وهكذا ظل الحوار المصرى الخليجى يتأرجح على ضفتى البحر الأحمر حتى رحيل الرئيس عبدالناصر عام 1970 وتولى الرئيس أنور السادات رئاسة مصر، وظلت سنوات حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل صفحة مضيئة فى تاريخ العسكرية المصرية إلى أن اتخذت مصر قرار الحرب التى دخلتها معها الدولة السورية عام 1973، وبذلك بدأت صفحة جديدة لعب فيها داهية الدبلوماسية الأمريكية هنرى كيسنجر دورًا مؤثرًا، وكان العبور العظيم مبعث اعتزاز عربى وخليجى لنصرٍ شاركت فيه معظم الدول العربية ولو عن بعد. ثم وقعت مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل فى مارس 1979 وبرزت المقاطعة الدبلوماسية من الدول العربية تجاه مصر باستثناء السودان وعمان والصومال، وهنا رجع فصل جديد من العلاقات المتطورة بين مصر ودول الخليج، وبقى الأمر على هذا النحو حيث تميزت العلاقات البينية بين مصر ودول الخليج كل على حدة بالاستقرار، كما شاركت مصر عامى 1990-1991 فى حرب تحرير الكويت، وفى تلك الفترة برزت إيران كلاعب مؤثر فى المنطقة العربية، وظلت إسرائيل ترقب المشهد بضغوط عدوانية على الشعب الفلسطينى، وتحول الأمر فى صراع الشرق الأوسط ومشكلته الأولى القضية الفلسطينية إلى حالة يمكن تسميتها «إدارة الصراع»، حيث انعدمت القدرة على إحداث اختراق قوى من الجانب العربى، وذلك كله بسبب الدعم الأمريكى المطلق للحكومة الصهيوينة المتطرفة فى إسرائيل.
| نقلا عن الأهرام |


التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *