الرئيسية/مقالات/التكنولوجيا.. إذ تحرر العبيد وتحاصر الأحرار
مقالات

التكنولوجيا.. إذ تحرر العبيد وتحاصر الأحرار

الذكاء الاصطناعي في مرمى التوترات الجيوسياسية
📸الذكاء الاصطناعي في مرمى التوترات الجيوسياسية
اليوم ميديا

ترددت الأديان كلها في مواجهة الرق، ولم تجرؤ على تحريمه، أما الفلسفة التقليدية، وعلى رأسها أرسطو، فبالغت في التسامح معه باعتباره ممارسة طبيعية. حدث ذلك تحت ضغط الحاجة لفئة اجتماعية تؤدى الوظائف الدنيا والمهام الشاقة في الحياة اليومية، حتى جاءت التكنولوجيا الحديثة لتلعب أدواراً حاسمة في حياة البشر: أكثرها أصالة هو زيادة ممكنات الإنسان عبر تطوير حواسه الأساسية ليرى ما هو أبعد أو أصغر، ويُصغى إلى ما هو أدق. وأكثرها أخلاقية يتمثل في تحرير العبيد، تلك المهمة التي لم تكن ممكنة، رغم نبلها، دون اختراع الآلة التي حلت محل الرقيق في بذل الجهد العضلي الشاق سواء في حمل الأشياء وجرها أو في رعاية الأرض وفلاحتها، ما أتاح إعادة هيكلة النظام الاجتماعي على قاعدة مواطنين أحرار، قد يحتل بعضهم مواقع طبقية دنيا لكنهم على الأقل امتلكوا حرية أجسادهم. غير أن التكنولوجيا الفائقة – الرقمية، عادت لتلعب دوراً معاكساً في حياة الإنسان، يدفعه إلى نوع من العبودية الطوعية. ومن ثم تبدو لنا العلاقة بين التكنولوجيا والحرية أقرب إلى علاقة منحنى منه إلى علاقة خطية أو تقدمية.

ففي زمن البداوة، حيث كان المكان ممتداً وفارغاً حول أناس يتغذون على جمع الثمار ويتنافسون على الصيد والمرعى‏، سادت روح فردية تتغذى على خشونة الطبع وحدة المزاج، حتى أن قوة الجسد كانت هى العنصر الحاسم في صون الحياة وتقرير المصائر، ومن ثم تمتع الشخص البدائي بحرية شبه مطلقة إزاء الآخرين، فتمكن من الانتقال خلف كل طعام احتاجه، واللهاث وراء كل فريسة أرادها أو امرأة رغبها، بلا محاذير تذكر. ولكنه في المقابل لم يكن يضمن لنفسه الحياة إذا ما وهن الجسد، فعندها يتحول من صائد كبير، إلى صيد صغير، وتكون نهايته. هنا قانون الأخلاق هو نفسه قانون الغاب، ولم يكن ممكناً لضعيف البنية الجسدية أن يحيا بين الناس في عالم مفعم بالوحشة والقسوة.

ومع بزوغ العصر الزراعي تشكلت المجتمعات المستقرة في دول وإمبراطوريات، ونما تعداد البشر فيما انكمش الفراغ الموحش حولهم أمام علاقات ممتدة وأواصر متشابكة. ومن ثم صار ممكناً لضعيف الجسد أن يحيا بين الأقوياء، وللمريض أن يجد الرعاية بين الأهل، حيث ساد شعور بالأمن على الجسد، وتأسست أخلاق ما بعد البداوة. غير أن زيادة مناعة الناس في مواجهة الغرباء، صاحبها نقص في مناعتهم تجاه الحكام، فصار الرق أكثر انتشاراً في عصر الإمبراطورية والإقطاع مما كان عليه أيام الصائد والراعي، بفعل تنامي قدرة السلطات المحلية والإمبراطورية على ضبط المجتمع والسيطرة على أفراده المستقرين حول زراعاتهم.

أما في عصر الصناعة فقد أسهمت التكنولوجيا في بناء مجتمعات منظمة ومدن كبيرة يتجاور فيها البشر إلى حد الزحام، يتقاسمون العمل فيما بينهم حسب قوة الموهبة والخيال، تحت مظلة القانون. وحسب إميل دوركهايم، فإن تقسيم العمل كان هو النتيجة الأساسية للصراع من أجل الوجود، بفضله لا يُجبر الخصوم على التخلص من بعضهم البعض، بل يصبح التعايش ممكناً جنباً إلى جنب. ومع تطور هذا التقسيم حصل المرضى وضعاف البنية، ناهيك عن الأطفال الصغار، ليس فقط على حق الحياة، بل على فرص لتأكيد وجودهم ضمن المنظومة الاجتماعية، فاحتل كل فرد الوضع الذي يستطيع من خلاله أن يقدم خدمة ما، فإن كان ضعيف الجسم لكن عقله صحيح، يكرس نفسه للدراسة والعمل في الوظائف الفكرية. ومن ثم بات متصوراً أن يتصدر ضعاف البنية مجتمعاتهم بقوة الموهبة، حيث يتفرد الناس ولا يتشابهون. لكن إذا كان الخلل في عقله فسيتعين عليه الاكتفاء بدور صغير في التجاويف الثانوية للمجتمع، يحول دون استعباده أو قتله. ومن ثم نمت الذات الفردية الحديثة وارتدت ثياب المذهب الإنساني الذي اعتبر الفرد قيمة كبرى في ذاته.

غير أن استمرار التقدم التكنولوجي، وازدهار النظام الرأسمالي وفي قلبه نمط الحياة الاستهلاكي، أخذ يدفع الفرد نحو نوع من العبودية الناعمة – الطوعية، لعلها جديدة على التاريخ. نعم بات الإنسان الحديث يتمتع بذات قانونية، تؤكدها بطاقات الهوية الشخصية، والمواثيق الحقوقية، ونظم الحكم الديمقراطية، وجميعها مكاسب مهمة جعلت حياته أيسر، لكنه في المقابل صار هشاً أمام قوى السوق العاتية، ووسائل الرقابة ومراكز التحكم الخفية التي أحالته إلى ذرة في تيار دافق لا سيطرة له على جريانه، أو ترس في آلة معقدة لا سلطان له على حركتها، ولو ظل قادراً على الاختيار ظاهرياً بين بدائل متشابهة، تخيره بين استهلاك واستهلاك. ومن ثم صارت التكنولوجيا الفائقة عبئاً على حرية الإنسان بالمعنى الجوهري، يعاكس مسيرة استنارته ويعاند قدرته على الاختيار الحر، الأمر الذي ينزع عنه ليس فقط سحر الإلوهية الذي منحته إياه قصة الخلق التوحيدية باعتباره الخليفة الأرضي، بل أيضاً سحر الذاتية والروحية الذي أضفته عليه فلسفات الحداثة منذ الكوجيتو الديكارتي وحتى التعالي الكانطي.

نقلا عن صحيفة الخليج

"
“ترددت الأديان كلها في مواجهة الرق، ولم تجرؤ على تحريمه، أما الفلسفة التقليدية، وعلى رأسها أرسطو، فبالغت في التسامح معه باعتباره ممارسة طبيعية. حدث ذلك تحت ضغط الحاجة لفئة اجتماعية تؤدى الوظائف الدنيا والمهام الشاقة في الحياة اليومية، حتى جاءت التكنولوجيا الحديثة لتلعب أدواراً حاسمة في حياة البشر: أكثرها أصالة هو زيادة ممكنات الإنسان عبر”
— اليوم ميديا / مقالات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في مقالات ←
قراءة في قمة ترمب ــ شي

قراءة في قمة ترمب ــ شي

حطّت طائرة الرئيس الصيني شي جينبينغ على الأرض الأميركية في زيارة رسمية في 23 سبتمبر (أيلول) 2026. حيث رافق الرئيس شي زوجته، ووفد حكومي سياسي ورسمي مُصغّر أمثال: خه لي فنغ كبير المفاوضين التجاريين، ووانغ ييه وزير الخارجية، وتساي تشي مدير المكتب العام للجنة الحزب وساعد الرئيس الأيمن، وغاب عنه وفد رجال الأعمال وقادة كبرى

د. سعاد كريم
الأربعاء، ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الرَّسف في الإشكال

الرَّسف في الإشكال

يتفرد اللبنانيون في قاموسهم اليومي بعبارة «إشكال». وهو أقلُّ من «مشكلة» وأكبر من «مشكل». ومن صفات «الإشكال» أنه ينتهي دون مأساة ويبدأ في سوء فهم أو سوء نية أو فقدان أعصاب. ومَن يتابع تفاصيل الإشكالات وأسبابها ونهاياتها، يكتشف تلقائياً أنها نتيجة «البرانويا» (جنون الارتياب) التي يعاني منها الجميع. تصاب الشعوب مثل الأفراد بـ«البرانويا»، من دون

سمير عطا الله
الثلاثاء، ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
العلاقات المصرية الخليجية.. رؤية للمستقبل

العلاقات المصرية الخليجية.. رؤية للمستقبل

منذ بدايات القرن السابع عشر كانت التجمعات القبلية فى الجزيرة العربية، أو حول سواحل الخليج ذات علاقات وطيدة مع مصر، وقد سعى إليها الكثيرون لطلب العلم أحيانًا ومواصلة التجارة أحيانًا أخرى، فضلاً عن الارتباط الدينى الذى كانت تجدده كل عام رحلات الحج إلى بيت الله الحرام، سواء كانت قادمة من مصر، أو من دول المغرب

د. مصطفى الفقى
الثلاثاء، ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
فلسطين المؤجلة: من يرسم حدود الدولة؟

فلسطين المؤجلة: من يرسم حدود الدولة؟

(1) جرائم بدون عقاب لم يجد رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو غضاضة فى إحضار جهاز «بيجر» واستعراضه والتباهى به أمام وفود دول العالم خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقال: «أتذكرون أجهزة البيجر؟ يمكننى أن أقول لكم إن «حزب الله يتذكرها بالتأكيد». والمعروف أن لبنان شهد فى 17 و18 سبتمبر 2024 سلسلة تفجيرات متزامنة استهدفت

مي عزام
الثلاثاء، ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة