أدركُ أن الجديد الذي يطرق أبواب العقول بما لم يعتده الناس يحتاج إلى جهد كبير؛ كي تتولد القناعة بما هو مطروح عليهم، وهو أرجى ما يطلبه صاحب الفكرة لدى من يتوجه إليهم بفكرته من جمهرة المثقفين، وإذا خرج من طرحه وقد ترك أثرًا في نفس القارئ بقبول الطرح وعدم مناصبة العداء للفكرة، فإن في ذلك مقنعًا لديه.
ونحن في طرحنا لا نتلمس قناعة القارئ بالاعتماد على رأي شاذٍّ أو كلام مرجوح من هنا أو هناك، فدور الباحث أن يكون دائم التنقير والبحث للوصول إلى نتائج من صحيح العلم أو راجحه، وفق منهج علمي يُستضاء به في الطرح والتحليل والاستدلال، ويضيء درب من خلفه.
وقد جاءني استفسار كريم في أعقاب المقالة الأولى، يقول فيه صاحبه: ألم يكن في العصور الأولى من هو أصح لغةً وأفصح طبعًا؟! ولا شك أن ذلك كان؛ فكيف غفلوا عن المعنى الذي طرحته، والطرح الذي أسفرت عنه؟
للرد على هذا الاستفسار أقول: في قول العلماء: «كم ترك الأول للآخر» إجابة، كما أن في جديد الكشف في مسائل العلم شواهد تغني عن الإخبار. ومع هذا، فإن اللغة في مستوياتها الأربعة: (الأصوات والبنية والتركيب والدلالة)، لا يخضع مجموعها لمعيار الفصاحة وحده للكشف عن أسرار معانيها؛ فثلاثة منها، وهي: (الأصوات والبنية والتركيب)، خاضعة للحكاية، وهي معيار الفصاحة عند أهل اللغة جميعهم، وأما الرابعة، فهي خاضعة للخبرة والدراية. وقد تفاوت أرباب البيان في الإلمام بهذا المستوى الرابع. فهذا ابن عباس، حَبْر الأمة وترجمان القرآن، رضي الله عنه، يقول: «كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ، حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا؛ أي: أَنَا ابْتَدَأْتُهَا»، وعنه، رضي الله عنه: «مَا كُنْتُ أَدْرِي مَعْنَى (يَحُورَ) حَتَّى سَمِعْتُ أَعْرَابِيَّةً تَقُولُ لِبُنَيَّةٍ لَهَا: حُورِي، أَيْ: ارْجِعِي». فكيف بمن هم أقل من ابن عباس روايةً ودرايةً؟! وربما أراد العربي الفصيح المعنى الصحيح فأخطأه، ولم يدر ما هو؛ لأن المعوَّل عليه في كشف المعاني هو صحيح المعرفة، ومدى ما يمتلكه من خبرة كبيرة بدلالات الألفاظ والتراكيب.
ومن بعد هذه التقدمة التي توضح منهجية طرحنا، نرجع عودًا إلى بدء. ومن مفردة قرآنية مشتقة من (القراءة)، كشفنا وجهًا مضيئًا من دلالتها في المقالة السابقة، إلى مشتقات من (الكتابة) نضيء الطريق لتوضيح دلالتها. ومن تلك المشتقات لفظة (الكتاب) في قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: 89). والخطاب للنبي ﷺ، والتعبير بـ«الكتاب» حال تنزيله، وقد تأكد للكافة أن النبي ﷺ لا يقرأ، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: 48). فلماذا كان الاختيار في السياق القرآني للفظة (الكتاب) من دون سواها؟
فربما قال قائل: هذا لصيرورته مكتوبًا بعد تنزيله بالوحي على قلبه ﷺ، وقد يُسمّى الشيء باسم ما يؤول إليه، وهو وجه مقبول في الاستعمال اللغوي، لا شك في ذلك؛ ولكنه، وفق هذا التوجيه، ينصرف الذهن إليه في صورته المكتوبة دون سواها. ولكنه (الكتاب)، سواء أكان مكتوبًا أم محفوظًا في الصدور. ولذا، إن صح حمل اللفظ على معنى شامل جامع، فهو أولى من حمله على ما هو بخلافه. والعربي يعرف من معنى الكتابة: إحكام الشيء بحفظه من دون أن يتفلت منه شيء. ففي معاجم اللغة: «كَتَبَ السِّقَاءَ والمَزَادَةَ والقِرْبَةَ، يَكْتُبُه كَتْبًا، أي يَشُدُّ فَمَهُ حَتَّى لَا يَقْطُرَ مِنْهُ شَيْءٌ»، ومنه أيضًا: «اكْتَتَبَ بَطْنُهُ»، أي: أمسك.
وإن ذهبت تستقصي المعنى المحوري لمشتقات مادة (كتب) في المعاجم العربية، فستجدها تدور في فلك هذا المعنى ولازمه، والكتابة بمعناها المخطوط داخلة فيه؛ لأنه بالكتابة يكون إحكام العلم وصيانته من النسيان والضياع.
ولذا، فإن تأويل الكتاب هنا بالمُحْكَم الذي لا يتفلت منه شيء أولى من تأويله بصورة من صوره. فهذا المعنى يشمل القرآن الكريم في صورته المُجازة بالرواية أو في صورته المرقومة، ويتأكد هذا التأويل في قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (يونس: 1)، فجاء في تأويل «الحكيم» أنه «المُحْكَم»، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ (هود: 1).
ويرد إلى هذا المعنى المحوري أيضًا تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفرقان: 5). فجاء على لسان المشركين أن آيات الذكر الحكيم أساطير الأولين، و«اكْتَتَبَهَا» أي: أسرَّها النبي ﷺ وحفظها؛ فهي تُملَى عليه، بحسب ادعائهم.
وهو معنى يستقيم في دلالته مع دعواهم، من دون تكلف في تأويل «اكْتَتَبَ» بالفعل «اسْتَكْتَبَ»، أي: طَلَبَ كِتَابَتَهَا، على ما جاء في كثير من التفاسير.
ويستقيم مع هذا المعنى أيضًا تأويل ما جاء في الحديث: «مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ» (شرح السنة للبغوي، ضعيف). أي: من نظر في مستودع سر أخيه وحفظه بغير إذنه، فقد اقترف إثمًا.
ومع ذاكرة تاريخية للفظة لغوية في مفردة قرآنية أخرى، بمشيئة الله تعالى.
التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *