الرئيسية/مقالات/من سوبرمان إلى دوستويفسكي: التقمص بين اللعب والوهم في عصر الخوارزميات
مقالات

من سوبرمان إلى دوستويفسكي: التقمص بين اللعب والوهم في عصر الخوارزميات

يبدأ الطفل بلفّ رداء حول عنقه، ويقفز من الأريكة، ويصرّ على أنه سوبرمان أو سبايدرمان.

يبدأ الطفل بلفّ رداء حول عنقه، ويقفز من الأريكة، ويصرّ على أنه سوبرمان أو سبايدرمان. هذا ليس لعبًا عابرًا، بل أول باب إلى الهوية عبر التقمص. الطفل لا يريد أن يصبح البطل حرفيًا، بل أن يشعر بقوته وعدالته وأمانه. القصة تمنحه لغة مؤقتة يترجم بها الخوف، والحاجة إلى الحماية، والرغبة في أن يكون مرئيًا ومهمًا. وهو تقمص صحي لأنه يعرف أنه يلعب، ويستطيع العودة إلى واقعه. يبني الهوية، ويتعلم القيم بالمحاكاة، ويفرّغ مشاعره في التخيل.

لكن الخط الفاصل يبدأ عندما يفقد الطفل السيطرة على الخيال، فيصبح البطل جزءًا راسخًا من هويته الحقيقية، لا دورًا مؤقتًا. هنا يرفض اسمه، ويعتقد أن لديه قوى خارقة، وينزعج إذا قيل له إنه يتخيل، ويستمر ذلك أسابيع وأشهرًا، ويؤثر في نومه ودراسته وعلاقاته. عندها لا نتحدث عن خيال طفولي، بل عن احتمال اضطراب يحتاج إلى تقييم نفسي. قد يكون التقمص المفرط دفاعًا لا شعوريًا ضد العجز أو الخوف أو الصدمة، ويظهر في حالات نادرة ضمن اضطراب الهوية الانفصالي أو تبدد الواقع أو الذهان. لكن الأكثر شيوعًا أن يبقى الأمر ضمن مرحلة تطورية أو أزمة هوية، لا ضمن مرض عقلي كامل.

وما يحدث للطفل مع سوبرمان يحدث للبالغ مع دوستويفسكي وتوفيق الحكيم وطه حسين والعقاد وشكسبير. القراءة ليست استهلاكًا للمعرفة، بل علاقة نفسية معقدة. القارئ يتمثّل صوت الكاتب، ويتقمص عدسته، ويرى العالم بعينه للحظة. هذا طبيعي ومفيد، بل شرط للنمو الثقافي. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التمثّل إلى استبدال. بدلًا من أن يقول: تأثرت بدوستويفسكي، يقول: أنا دوستويفسكي. وبدلًا من أن يكتب، يتحدث عن الكتابة. وبدلًا من أن ينتج فكرًا، يرتدي صورة المفكر. هنا يتحول التقمص من جسر إلى قناع.

سيكولوجيًا، يمكن تفسير ذلك عبر آليات متشابكة: الهوية السردية، حين يستعير الإنسان قصة جاهزة لأن بناء قصة خاصة أصعب؛ والتعويض النرجسي، حين يجد في الانتماء الرمزي إلى العظماء مكانة جاهزة؛ وشخصية «كما لو»، حين يقلّد الأنماط والأقنعة دون عمق أو مشروع؛ وأثر دانينغ-كروغر، حين تمنح القراءة السطحية إحساسًا زائفًا بالمعرفة، بينما تزيد القراءة العميقة الشعور بالجهل والتواضع. المسافة بين حفظ اسم دوستويفسكي وفهمه كالمسافة بين رسم قمر على ورقة والصعود إليه.

والسؤال الأهم: لماذا لا ينتج هؤلاء؟ لأن الإنتاج اختبار الواقع. الكتابة تكشف الفجوة بين الصورة والقدرة. عندما يجلس الشخص ليكتب، يكتشف أنه لا يملك تجربة دوستويفسكي ولا لغته ولا عمقه ولا ألمه، فيهرب من الاختبار. يبقى في مرحلة «أنا كاتب» دون كتابة، لأن الكتابة تجلب احتمال الفشل والنقد. وهنا يصبح التماهي أكثر أمانًا من الإبداع. أن تقول إنك مثقف أسهل من أن تكون مثقفًا، وأن تتحدث عن شكسبير أسهل من أن تكتب مشهدًا واحدًا يشبهه، ولو من بعيد. وهو ما لخّصه ابن رشيق القيرواني:

«ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موضعِها
كالهِرِّ يحكي انتفاخًا صَولةَ الأسدِ».

لكن ليس كل متأثر مريضًا. التأثر الطبيعي يقود إلى العمل، والتقمص المرضي يقود إلى الادعاء. التأثر الطبيعي يعترف بالحدود ويرحب بالنقد، والتقمص المرضي يرفضهما. التأثر الطبيعي يقول: قرأت دوستويفسكي فتغيرت. والتقمص المرضي يقول: أنا دوستويفسكي، فتوقفوا عن سؤالي عن نص. وإذا وصل الأمر إلى اعتقاد راسخ غير قابل للتصحيح بأنه هو الكاتب حرفيًا، فقد نلامس وهم العظمة، وهو نادر ويستدعي تقييمًا نفسيًا. أما الأكثر انتشارًا فهو تماهٍ نرجسي أو أزمة هوية، لا ذهان كامل.

ثم جاء عصر الخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي ليمنح الظاهرة وقودًا جديدًا. الخوارزميات لا تخلق الوهم من فراغ، لكنها تسرّعه وتكافئه. من ينشر اقتباسًا عن دوستويفسكي مع صورة غامضة يحصل على تفاعل فوري، ومن يكتب رواية تستغرق سنوات لا يجد تصفيقًا. اقتصاد الانتباه يكافئ الصورة لا العمل، والمظهر لا الجوهر. «المثقف» يصبح علامة تجارية يمكن ارتداؤها في منشور واحد. يقول ميخائيل نعيمة في كتابه «كرم على درب»: «كم من ناس صرفوا العمرَ في إتقانِ فنّ الكتابة.. ليذيعوا جهلَهُم لا غَير!» والفقاعات المعرفية تمنح الشخص جمهورًا يصدقه ويصفق له، فلا يحدث تصحيح من الواقع. والدوبامين الذي يفرزه الإعجاب يجعل الأداء إدمانًا. ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليجعل التظاهر بالثقافة أسهل: اقتباسات جاهزة، ونصوص مصقولة، وأفكار مركبة، دون قراءة حقيقية أو تعب فكري. وهكذا تصبح المعادلة: أنا ما أنشره، لا ما أفعله؛ ما أبدو عليه، لا ما أبنيه. والخوارزمية لا تسأل: هل قرأت؟ بل: هل تفاعل الناس؟ فينتصر الوهم لأنه سريع، بينما الحقيقة بطيئة.

والتشخيص يحتاج إلى معيار واضح: يصبح التقمص اضطرابًا عندما يفقد الشخص القدرة على اختبار الواقع، ويسبب ضيقًا حقيقيًا أو خللًا في الوظائف، ويستمر رغم الأدلة المضادة، ويصبح قهريًا لا طوعيًا. أما إن بقي في حدود التأثر واللعب والإعجاب، فهو غالبًا مرحلة طبيعية أو ظاهرة ثقافية. المشكلة ليست في قراءة دوستويفسكي أو مشاهدة سوبرمان، بل في استبدال الحياة والإنتاج بالتماهي مع صورة العظماء. العلاج ليس الامتناع عن القراءة، بل التواضع المعرفي، والكتابة الفعلية، وطلب النقد، والاعتراف بأن التجارب لا تُستعار. البطل يمكن أن يلهمك، والكاتب يمكن أن يوقظك، لكن لا أحد منهما يستطيع أن يعيش مكانك. في عصر الخوارزميات، ليست القضية أن تشبه دوستويفسكي، بل أن تنتج شيئًا، ولو صغيرًا، يشبهك أنت. وحينها فقط يتحول التقمص من قناع إلى جسر، ومن وهم إلى جذور وثبات.

"
“يبدأ الطفل بلفّ رداء حول عنقه، ويقفز من الأريكة، ويصرّ على أنه سوبرمان أو سبايدرمان. هذا ليس لعبًا عابرًا، بل أول باب إلى الهوية عبر التقمص. الطفل لا يريد أن يصبح البطل حرفيًا، بل أن يشعر بقوته وعدالته وأمانه. القصة تمنحه لغة مؤقتة يترجم بها الخوف، والحاجة إلى الحماية، والرغبة في أن يكون مرئيًا ومهمًا.”
— اليوم ميديا / مقالات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في مقالات ←
الذاكرة التاريخية للمفردة القرآنية (2)

الذاكرة التاريخية للمفردة القرآنية (2)

أدركُ أن الجديد الذي يطرق أبواب العقول بما لم يعتده الناس يحتاج إلى جهد كبير؛ كي تتولد القناعة بما هو مطروح عليهم، وهو أرجى ما يطلبه صاحب الفكرة لدى من يتوجه إليهم بفكرته من جمهرة المثقفين، وإذا خرج من طرحه وقد ترك أثرًا في نفس القارئ بقبول الطرح وعدم مناصبة العداء للفكرة، فإن في ذلك

الدكتور مصطفى قرمد
الاثنين، ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
التدخل العسكري الخارجي… بين مُبارك والسيسي

التدخل العسكري الخارجي… بين مُبارك والسيسي

أجدُ تشابهاً بين لحظتي الرئيسين المصريين، الراحل حسني مبارك، والحالي عبد الفتاح السيسي، فيما يتصل بموقف مصر العسكري الاستراتيجي تجاه حروب الخليج، بما فيها حرب اليمن اليوم. في أغسطس (آب) 1990، عندما ابتلع الجيش العراقي بقيادة صدام حسين، دولة الكويت، في أغبى وأخطر خطوة عربية معاصرة، ما زالت آثارها لليوم، كان الرئيس مبارك حاسماً في

مشاري الذايدي
الخميس، ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
عمداً وقصداً

عمداً وقصداً

منذ أن وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نداءه القومي إلى برلمان مصر حول الشراكة العسكرية مع السعودية، أدرك العرب أن خيار الصراع أصبح راهناً. وعندما تتخذ دولة مثل مصر قراراً من هذا النوع، وموقفاً بكل هذه الأبعاد، فالواضح أن في حسابها أولاً هو مصر نفسها، وحماية موقعها القومي. الحروب ليست هواية في مصر، لكن

سمير عطا الله
الخميس، ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
مثلما حدث مع «داعش»…تحالف دولي ضد الحوثي

مثلما حدث مع «داعش»…تحالف دولي ضد الحوثي

التحالف الدولي ضد «داعش» هو تحالف عالمي شُكِّل في سبتمبر (أيلول) 2014 بقيادة الولايات المتحدة، ويضم حالياً أكثر من 80 دولة ومنظّمة دولية، مثل الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، لمكافحة التنظيم والقضاء عليه نهائياً في العراق وسوريا ومختلف أنحاء العالم. كان ذلك في أثناء سيطرة «داعش» على أجزاء من شرق سوريا وغرب العراق، والآن انهارت دولة

مشاري الذايدي
الثلاثاء، ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة