الرئيسية/آراء/العيش الكريم.. الكرامة بوصفها سياسة حياة
آراء

العيش الكريم.. الكرامة بوصفها سياسة حياة

العيش الكريم يبدأ من استقرار الأسرة
📸العيش الكريم يبدأ من استقرار الأسرة
اليوم ميديا

محمد فال معاوية

ليست قيمة القرارات التي تمس حياة الناس فيما تضيفه إلى أرقامهم فقط، بل فيما تتركه في حياتهم من طمأنينة، وما تفتحه أمامهم من قدرة على أن ينظروا إلى الغد بقدر أقل من القلق، وبقدر أكبر من الثقة.

من هنا، يمكن قراءة اعتماد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، رفع مستوى العيش الكريم في حكومة الشارقة إلى 20 ألف درهم شهرياً، باعتباره أكثر من زيادة في الدخل. إنه قرار يضع الإنسان في مركز الحساب، ويمنح معنى العيش الكريم مساحة تتجاوز الراتب إلى ما يصنعه الراتب في حياة صاحبه وأسرته.

فالقرار يشمل موظفي حكومة الشارقة والمتقاعدين، والأسر المستفيدة من المساعدات الاجتماعية، والمواطنين المتقاعدين من خارج حكومة الشارقة. وفي ذلك معنى يتصل بجوهر السياسة الاجتماعية: أن يشعر الإنسان بأن حاجته ليست شأناً هامشياً، وأن استقراره جزء من مسؤولية المجتمع تجاهه.

لكن العيش الكريم لا يسكن في كشف الراتب وحده.

قد يخفف المال عن الإنسان أثقالاً كثيرة، لكنه لا يعلّمه بالضرورة كيف يحمل ما بقي منها. فهناك فارق بين أن يزداد الدخل، وأن تزداد معه القدرة على بناء حياة أكثر اتزاناً.

وهنا تأخذ الإشارة التي وجهها صاحب السمو حاكم الشارقة بشأن ترتيب شؤون الإنسان، والابتعاد عن الاقتراض غير المفيد، والتوجه إلى التوفير والاقتصاد، معناها الأوسع.

فليست الحكمة أن نملك أكثر فحسب، وإنما أن نعرف ماذا نفعل بما نملك.

في عالم يدفع الإنسان كل يوم إلى شراء المزيد، تبدو الحاجة إلى معرفة الفرق بين الحاجة والرغبة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وقد يتحول ما كان بالأمس ترفاً إلى ضرورة في نظر صاحبه، لا لأنه يحتاج إليه فعلاً، بل لأن المحيط من حوله أقنعه بأن امتلاكه جزء من صورته ومكانته.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للعيش الكريم: ليس في مقدار ما يدخل البيت، وإنما في مقدار ما يمنحه هذا الدخل من سكينة، وما يتركه بعد الإنفاق من أمان للمستقبل.

التوفير، بهذا المعنى، ليس حياة ناقصة، والاقتصاد ليس تضييقاً على الإنسان. إنه نوع من الحكمة في ترتيب الرغبات، وتأجيل ما يمكن تأجيله، وترك مساحة للغد حتى لا يصبح كل طارئ أزمة.

والأهم أن المال لا يستطيع وحده أن يورث أبناءنا معنى الحياة.

ولعل هذه واحدة من أكثر الدلالات عمقاً في حديث صاحب السمو حاكم الشارقة، حين قرن الاستقرار المعيشي بتربية الأبناء، ودعا إلى التربية الحسنة القائمة على الحكمة واللين وصون الكرامة.

فالطفل الذي يكبر وهو يحصل على كل ما يطلب، لا يكبر بالضرورة وهو يعرف قيمة الأشياء. وقد تكون التربية الحقيقية هي أن نعلّم أبناءنا أن النعمة مسؤولية، وأن القدرة على الاختيار أهم من كثرة الخيارات، وأن الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يصنعه بما يملك.

لهذا، فإن الأسرة المستقرة ليست الأسرة التي لا ينقصها شيء، وإنما الأسرة التي تعرف كيف تدير ما لديها، وكيف تمنح أبناءها الحب والحدود معاً، وكيف تربيهم على أن الحياة ليست قائمة طلبات لا تنتهي.

فالإنسان يحتاج إلى المال، نعم، لكنه يحتاج كذلك إلى بيت يجد فيه السكينة، ومدرسة تفتح أمامه أبواب المعرفة، وعمل يشعر فيه بقيمته، ومجتمع لا يجعله يشعر بأن كرامته مرهونة بقدرته على الإنفاق.

ومن هنا، يصبح قرار رفع مستوى العيش الكريم جزءاً من معنى أوسع: أن يكون للإنسان من الاستقرار ما يساعده على أن يعيش لا أن يلهث، وأن يخطط لا أن يطارد أعباء يومه، وأن ينظر إلى المستقبل بوصفه مساحة ممكنة لا عبئاً مؤجلاً.

ولا يقتصر هذا المعنى على دخل الأسرة وحده، بل يمتد إلى الطريقة التي تُدار بها الموارد التي تمس حياة الناس. فخفض الرسوم المتعلقة بمواقف الوسائل البحرية بنسبة 50%، مع تخصيص النسبة المتبقية لصالح جمعيات الصيادين، يحمل في طياته فكرة بسيطة وعميقة في آن: أن تخفيف العبء عن الناس يمكن أن يترافق مع الحفاظ على مورد يعود بالنفع على الفئة نفسها.

إنها معادلة تقوم على أن الدعم لا يعني استنزاف المورد، وأن تخفيف الكلفة لا ينبغي أن يأتي على حساب استمرارية المنفعة. فالمورد العام لا تكتمل قيمته بما يقدمه اليوم فقط، وإنما بقدرته على أن يظل نافعاً غداً.

وهنا تتضح المسافة بين تحسين مستوى المعيشة وصناعة العيش الكريم.

الأول قد تقيسه الأرقام، أما الثاني فتظهر آثاره في بيت أكثر هدوءاً، وأسرة أقل قلقاً، وأبناء أكثر وعياً، وإنسان يعرف أن ما بين يديه نعمة ومسؤولية في آن واحد.

العيش الكريم، في جوهره، ليس وعداً بأن يحصل الإنسان على كل ما يريد؛ بل أن يمتلك ما يعينه على أن يعيش مطمئناً، وأن يعرف كيف يحافظ عليه، وأن يجد حوله ما يصون إنسانيته حين تضيق به الأيام.

ولهذا، فإن قيمة مثل هذه القرارات لا تنتهي عند لحظة صدورها، ولا عند الرقم الذي تحمله.

قيمتها الحقيقية تبدأ عندما تتحول الزيادة في الدخل إلى بيت أكثر استقراراً، والطمأنينة إلى مسؤولية، والنصيحة إلى سلوك، والقدرة إلى عطاء.

عندها فقط لا يعود العيش الكريم رقماً في كشف الراتب.

يصبح طريقة في النظر إلى الحياة؛ أن نعرف ما يكفينا، وأن نحسن تدبيره، وأن نربي أبناءنا على قيمته، وأن نعيش بكرامة لا تتوقف على ما نملك، بل تمتد إلى الطريقة التي نحيا بها.

  • كاتب صحفي وإعلامي
    m.maawiya@gmail.com
"
محمد فال معاوية ليست قيمة القرارات التي تمس حياة الناس فيما تضيفه إلى أرقامهم فقط، بل فيما تتركه في حياتهم من طمأنينة، وما تفتحه أمامهم من قدرة على أن ينظروا إلى الغد بقدر أقل من القلق، وبقدر أكبر من الثقة. من هنا، يمكن قراءة اعتماد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة