عبدالله عبدالسلام
مثلما يوجد أفراد يمتصون طاقتك ويصيبونك بالإجهاد النفسى، هناك أيضًا مدن تفرض عليك نمط حياة يضع جهازك العصبى فى حالة طوارئ مستمرة. مدن تستنزفك بمجرد خروجك إلى الشارع حيث الزحام المرورى الخانق والركض المستمر للحاق بمواعيدك، الأمر الذى يستهلك طاقتك البدنية والنفسية قبل أن تبدأ يومك الفعلى. مدن تقصف حواسك بلا رحمة نتيجة آلات التنبيه التى لا تتوقف والضوضاء والإعلانات المضيئة الفجة فى مساحاتها وبهرجتها.
كان الشاعر الكبير، أطال الله عمره، أحمد عبدالمُعطى حجازى، أبرز الذين عبروا عن قسوة المدن الكبرى. فى ديوانه الشهير «مدينة بلا قلب»، يصف كيف تبتلع المدينة الكبيرة إنسانية الفرد وتحوله إلى مجرد عابر سبيل مُجهد ومجهول. يقول: «هذا أنا وهذه مدينتى. ميدانها الفسيح واللافتات والإشارات والبشر. لا أحد يقول لى سلام. لا أحد يعرفنى فى هذه المدينة الزحام». يقول أيضًا: «الساعة الآن الواحدة، ومصر (القاهرة) لا تنام، ومصر لا ترحم من ينام». هكذا عبر الشاعر عن قاهرة الخمسينيات، فماذا لو تحدث الآن؟
التقارير البحثية تكلمت هذه المرة. مؤسسة «وليام راسل» البريطانية لتصنيف المدن نشرت قبل أيام قائمة من 51 مدينة تصيب الفرد بالإجهاد والضغط العصبى. القاهرة جاءت الخامسة عالميا بعد مومباى وبنجالور ونيروبى ونيودلهى. استندت المؤسسة فى دراسة لها عدة معايير أوصلت القاهرة إلى هذه «المكانة». نسب التلوث البيئى والسمعى تتجاوز الحد المسموح به من منظمة الصحة العالمية بأكثر من 8 مرات. معدل الضوضاء فيها يعادل الوقوف على بعد أمتار قليلة من قطار متحرك. المعيار الثالث: الكثافة السكانية والازدحام المرورى الخانق. ولسنا فى حاجة إلى تفاصيل أكثر، فالكل يعانى من الوزير إلى المواطن العادى. هناك أيضًا الضغوط الاقتصادية والمعيشية. المؤسسة البريطانية أشارت أيضًا إلى أن القاهرة سجلت أعلى معدلات عدم الرضا عن القطاع الصحى العام، أرجعته إلى النقص المتكرر فى التمويل والضغط الكثيف على المنشآت الطبية الحكومية مقارنة بالقطاع الخاص المكلف ماديًا.
ورغم ذلك، كشفت الدراسة عن مفارقة. القاهرة لديها أقل نسبة انتحار بالمقارنة بالمدن الكبرى الأخرى. سكان العاصمة لديهم قدرة فريدة على التكيف مع قسوة الحياة اليومية والازدحام والضغوط المعيشية من خلال الروابط الأسرية والدعم المجتمعى المتبادل. نعم، القاهرة تعانى وتصيب مواطنيها بالإجهاد والضغوط، لكنها نابضة بالحياة بشكل لا يُصَدق. لديها طاقة لا نهائية على تجاوز الصعوبات. حيويتها وإقبال أهلها على الحياة يغفران لها كل مساوئها. هناك مدن ليست لديها أزمات القاهرة، لكنها باردة اجتماعيًا وإنسانيًا.
كل ذلك، يجعل من القاهرة حالة خاصة. تشكو من ضوضائها وتلوثها، وفى نفس الوقت لا تتحمل الابتعاد عنها. تصيب سكانها وزائريها بالإجهاد، لكنها ليست السبب بل تراث طويل من الإهمال والبيروقراطية. هذا التناقض فى الشعور تجاه القاهرة عبَّر عنه الشاعر السكندرى يونانى الأصل قسطنطين كفافيس حينما قال: «قلت سأذهب إلى أرض أخرى ستوجد مدينة أخرى أفضل من هذه. لن تجد بلادًا جديدة.. فالمدينة ستلحق بك. ستهوم فى الشوارع ذاتها، وفى الأحياء ذاتها سيشيب شعرك. فالمدينة هى هى. دائمًا ستصل إلى هذه المدينة». القاهرة ستظل تلاحقك.
- نقلا عن صحيفة المصري اليوم


التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *