الرئيسية/العرب/واشنطن بوست: ماذا تركت أميركا وراءها في العراق؟
العرب

واشنطن بوست: ماذا تركت أميركا وراءها في العراق؟

طائرة نقل عسكرية أميركية في معسكر فيكتوري قرب بغداد
📸طائرة نقل عسكرية أميركية في معسكر فيكتوري قرب بغداد
اليوم ميديا

مع اكتمال الانسحاب العسكري الأميركي من العراق، لا ينتهي السؤال بخروج آخر الجنود من القواعد، بل يبدأ سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا تركت واشنطن وراءها، ومن سيتولى إدارة الملفات التي كانت القوات الأميركية جزءًا أساسيًا من معادلتها؟ فالمغادرة تنهي مرحلة من الوجود العسكري المباشر استمرت أكثر من عقدين، لكنها لا تنهي التحديات الأمنية والسياسية التي تشكلت خلال تلك الفترة.

وتضع صحيفة «واشنطن بوست» الانسحاب في سياق أوسع من مجرد إنهاء وجود عسكري أميركي، مشيرة إلى تغيرات في ميزان القوة داخل العراق، وتنامي أهمية الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، وتعثر مسار نزع سلاح الجماعات المسلحة، في وقت تنتقل فيه مسؤولية التعامل مع هذه الملفات بدرجة أكبر إلى الحكومة العراقية. وفي المقابل، لا يعني خروج القوات الأميركية اختفاء الدور الأميركي من المنطقة، إذ أعيد نشر جزء من القوات إلى الأردن لمواصلة عمليات مكافحة تنظيم الدولة من خارج العراق.

أميركا تغادر القواعد

التحول الأساسي الذي تبرزه القراءة الأميركية هو انتقال الولايات المتحدة من وجود عسكري مباشر داخل العراق إلى تموضع إقليمي أوسع. فالانسحاب ينفذ بموجب الاتفاق الأميركي-العراقي المبرم عام 2024 لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة في العراق، بعدما أصبحت القوات العراقية تتولى الجزء الأكبر من العمليات الأمنية ضد التنظيم.

لكن واشنطن لا تتخلى عن كل أدواتها. فإعادة نشر القوات إلى الأردن تبقي الولايات المتحدة قريبة من مسرح العمليات، وتمنحها قدرة على مواصلة دعم جهود مكافحة تنظيم الدولة إقليميًا، بينما تتحمل بغداد مسؤولية أكبر عن أمن أراضيها. وبذلك تتغير طبيعة العلاقة من وجود عسكري أميركي ظاهر داخل العراق إلى شراكة أمنية يمكن أن تستمر بوسائل أقل ظهورًا من السابق.

الفصائل المسلحة

ربما يكون ملف الفصائل المسلحة أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الانسحاب. فالحكومة العراقية كانت قد ربطت نهاية الوجود العسكري الأجنبي بمسار يستهدف وضع السلاح تحت سلطة الدولة، لكن أقوى الجماعات المرتبطة بإيران لم توافق على التخلي عن أسلحتها، بينما يتمتع بعضها بحضور سياسي وأمني داخل مؤسسات الدولة.

وتشير «واشنطن بوست» إلى أن عملية نزع السلاح تعثرت، وأن جماعات مسلحة رئيسية لم تبدِ استعدادًا للتخلي عن قدراتها. ويجعل ذلك الحكومة العراقية أمام معادلة معقدة؛ فهي تدخل مرحلة يفترض أن تكون فيها صاحبة المسؤولية الأمنية الأولى، لكنها لا تزال تتعامل مع جماعات تمتلك قدرات عسكرية وشبكات سياسية مستقلة بدرجات مختلفة.

وهنا يتغير السؤال الذي كان مطروحًا أثناء وجود القوات الأميركية. فلم يعد الأمر يتعلق فقط بكيفية حماية العراق من تهديدات خارجية أو تنظيمات مسلحة، وإنما بكيفية بناء توازن داخلي يجعل الدولة صاحبة القرار النهائي في استخدام القوة. وهذه المهمة ستكون أكثر تعقيدًا لأن الفصائل المرتبطة بإيران لا تتحرك بمعزل عن التنافس الإقليمي بين طهران وواشنطن.

إيران.. نفوذ موجود قبل الانسحاب

لا يعني خروج القوات الأميركية أن إيران أصبحت صاحبة النفوذ الوحيد في العراق، كما لا يعني أن نفوذها بدأ مع الانسحاب. فطهران تمتلك منذ سنوات علاقات سياسية وأمنية عميقة مع قوى عراقية، فيما تتمتع فصائل مرتبطة بها بحضور داخل المشهد السياسي والأمني.

لكن الانسحاب يغير البيئة التي تتحرك فيها هذه القوى. فمع تراجع الوجود العسكري الأميركي المباشر، تصبح الحكومة العراقية الطرف الرئيسي في إدارة العلاقة بين مؤسسات الدولة والفصائل المسلحة، بينما تحتفظ واشنطن بقدرة على التأثير من خارج العراق.

وتلفت «واشنطن بوست» إلى تحول في أساليب العمل التي تنسبها إلى الحرس الثوري الإيراني، مع دعم خلايا أصغر خارج شبكات الفصائل التقليدية، وهو ما قد يجعل بعض الأنشطة المسلحة أكثر صعوبة في الرصد. وهذه المعطيات لا تعني أن العراق يتجه حتمًا إلى موجة جديدة من العنف، لكنها تفسر لماذا تظل مسألة السلاح والنفوذ الإيراني من أبرز الملفات التي ستختبر الحكومة العراقية بعد الانسحاب.

تنظيم الدولة.. الخطر الذي لم ينتهِ

إلى جانب الفصائل المسلحة، يبقى تنظيم الدولة الإسلامية أحد الاختبارات الأمنية التي ستواجه العراق في المرحلة المقبلة. لكن وضع التنظيم اليوم مختلف جذريًا عن عام 2014؛ فهو لم يعد يسيطر على المدن والمساحات الواسعة التي كانت تحت قبضته، وتحولت قدراته إلى خلايا وشبكات متناثرة تعمل بصورة مختلفة عن مرحلة سيطرته الإقليمية.

ولهذا لا تتحدث القراءة الغربية عن عودة وشيكة إلى نموذج «دولة الخلافة»، بقدر ما تحذر من إمكانية استغلال أي ثغرات أمنية أو استخبارية لتنشيط الخلايا وتنفيذ هجمات. وتزداد أهمية هذا الجانب لأن القوات الأميركية راكمت خلال سنوات وجودها قدرات كبيرة في الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وهي وظائف تحتاج بغداد إلى تعويضها أو تطوير بدائل محلية لها.

وهنا قد يكون الاختبار الحقيقي أقل ارتباطًا بعدد الجنود الذين تستطيع القوات العراقية نشرهم، وأكثر ارتباطًا بقدرتها على معرفة أماكن الخلايا المسلحة وتحركاتها قبل أن تتحول المعلومات إلى هجمات على الأرض.

كردستان وفجوة الدفاع الجوي

ولا تقتصر تداعيات الانسحاب على القوات البرية. ففي إقليم كردستان، تبرز مخاوف أخرى مرتبطة بتراجع بعض القدرات الأميركية، ولا سيما في مجال الدفاع الجوي ومواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وتأتي هذه المخاوف في سياق إقليمي شديد الحساسية، بعدما تعرضت مواقع تضم قوات أميركية في العراق لهجمات خلال الحرب مع إيران. ومع خروج القوات الأميركية، تصبح مسؤولية حماية المجال الجوي العراقي أكبر على عاتق المؤسسات العراقية، التي تعمل على تطوير قدراتها الدفاعية وشراء أنظمة جديدة.

لكن بناء منظومة دفاع جوي متكاملة لا يتوقف على شراء الصواريخ والرادارات، بل يحتاج إلى شبكة قيادة وسيطرة واستخبارات وتدريب مستمر. ولذلك فإن هذه الفجوة قد تكون واحدة من أهم الملفات التي ستكشف قدرة العراق على الانتقال من الاعتماد على المظلة الأميركية إلى بناء منظومة أمنية أكثر استقلالًا.

ماذا سيحدث بعد الانسحاب؟

المرحلة المقبلة لن تحددها لحظة خروج القوات الأميركية وحدها، وإنما قدرة بغداد على إدارة الملفات التي أصبحت مسؤوليتها بصورة أكبر. فإذا نجحت الحكومة في تعزيز سيطرة مؤسسات الدولة على السلاح، وتطوير قدراتها الاستخبارية والدفاعية، والحفاظ في الوقت نفسه على تعاون أمني مع واشنطن، فقد تتشكل علاقة عراقية-أميركية مختلفة عن مرحلة الانتشار العسكري المباشر.

أما إذا بقيت بعض الفصائل قادرة على العمل خارج القرار الحكومي، أو ظهرت فجوات أمنية تستغلها خلايا تنظيم الدولة، فقد يصبح الانسحاب بداية لاختبار طويل لقدرة الدولة العراقية على إدارة التوازنات الداخلية والإقليمية.

ولا توجد حتى الآن نتيجة محسومة لأي من هذه المسارات. فالعراق يدخل مرحلة جديدة تتداخل فيها ثلاثة مستويات من القوة: مؤسسات الدولة، والفصائل المسلحة ذات النفوذ السياسي والأمني، والقوى الإقليمية والدولية التي ما زالت تنظر إلى العراق باعتباره جزءًا من معادلة الأمن في الشرق الأوسط.

ما وراء الخبر

ربما لا يكون السؤال الحقيقي بعد الانسحاب: من حل محل أميركا؟ فلا توجد قوة واحدة تحل محلها في العراق. السؤال الأهم هو ما إذا كانت الدولة العراقية قادرة على استخدام المساحة التي خلقها الانسحاب لتعزيز مؤسساتها، بدل أن تتحول هذه المساحة إلى مجال جديد للتنافس بين القوى المسلحة والإقليمية.

وهنا تكمن أهمية ما طرحته «واشنطن بوست»: الأميركيون غادروا القواعد، لكن الملفات التي جعلت وجودهم مهمًا لم تغادر العراق. فالسلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، والقدرات الاستخبارية والدفاعية، وخطر تنظيم الدولة، والعلاقة مع إيران، ومستقبل الشراكة مع واشنطن، كلها ملفات ستبقى حاضرة بعد خروج آخر جندي.

وبذلك تبدأ المرحلة الأصعب من الانسحاب بعد اكتماله؛ إذ ستكشف الأشهر المقبلة ما إذا كان العراق قادرًا على إدارة أمنه وتوازناته بقدراته الذاتية، أم أن خروج القوات الأميركية سيؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة من دون أن ينهي الحاجة إلى الدور الأميركي في المنطقة.

"
“مع اكتمال الانسحاب العسكري الأميركي من العراق، لا ينتهي السؤال بخروج آخر الجنود من القواعد، بل يبدأ سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا تركت واشنطن وراءها، ومن سيتولى إدارة الملفات التي كانت القوات الأميركية جزءًا أساسيًا من معادلتها؟ فالمغادرة تنهي مرحلة من الوجود العسكري المباشر استمرت أكثر من عقدين، لكنها لا تنهي التحديات الأمنية والسياسية التي تشكلت”
— اليوم ميديا / العرب

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في العرب ←
المغرب يعيّن أول رئيسة للحكومة.. من هي فاطمة الزهراء المنصوري؟

المغرب يعيّن أول رئيسة للحكومة.. من هي فاطمة الزهراء المنصوري؟

عيّن الملك محمد السادس، الثلاثاء، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة. وجاء تعيين المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، بعد تصدّر حزبها الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر، بحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395 في مجلس النواب. وبموجب الدستور

لندن - اليوم ميديا
الأربعاء، ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
أميركا تغادر العراق.. من يملأ الفراغ؟

أميركا تغادر العراق.. من يملأ الفراغ؟

تغادر القوات الأميركية آخر قواعدها في العراق، منهية وجودًا عسكريًا استمر أكثر من عقدين، في خطوة تفتح مرحلة جديدة أمام بغداد وتضع قدرات قواتها الأمنية أمام اختبار حقيقي، وسط مخاوف عراقية من اتساع نفوذ الفصائل المدعومة من إيران، وفي الوقت نفسه احتمال استغلال تنظيم الدولة الإسلامية أي ثغرات أمنية لإعادة تنظيم صفوفه. وبحسب رويترز، يأتي

لندن - عمر فهد العلي
الأربعاء، ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الغارديان: لماذا يريد الحوثيون السيطرة على مرتفعات اليمن؟

الغارديان: لماذا يريد الحوثيون السيطرة على مرتفعات اليمن؟

دخل القتال في اليمن مرحلة جديدة مع سعي جماعة الحوثيين إلى تثبيت مكاسبها في مناطق استراتيجية من الساحل الغربي والمرتفعات المطلة عليه، في تحرك يكتسب أهمية خاصة بسبب قرب هذه المناطق من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتناولت صحيفة الغارديان في تقرير ميداني نشرته في 21 سبتمبر التحركات الحوثية في المرتفعات

لندن - أنس بن عيسى
الاثنين، ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
حين تصل الحرب إلى المدرسة.. ماذا يبقى لأطفال اليمن؟

حين تصل الحرب إلى المدرسة.. ماذا يبقى لأطفال اليمن؟

لم تعد عودة الحرب في اليمن تُقاس فقط بالمعارك والغارات وتبدل خطوط السيطرة؛ ففي محافظة تعز، بدأت تداعيات القتال تصل إلى المدارس والمنازل ومصادر رزق الأسر، بعدما اضطرت عائلات إلى الفرار من مناطق المواجهات، فيما يواجه أطفال خطر الانقطاع عن التعليم. وفي تقرير ميداني نشرته صحيفة الغارديان الاثنين، من تعز، يرصد الصحفيان ناصر السقاف وويليام

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة