لم تعد تداعيات التصعيد السعودي–الحوثي تقتصر على المطارات والمنشآت النفطية؛ إذ باتت تطرح سؤالاً اقتصادياً وتقنياً أوسع: هل تستطيع البنية التحتية الرقمية السعودية مواصلة العمل إذا امتدت آثار الحرب إلى شبكات الكهرباء والاتصالات ومراكز البيانات التي تعتمد عليها خطط المملكة في الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية؟
هذا السؤال طرحته طلال الجابري، المؤسسة والشريكة الإدارية في شركة «وايلد في سي» الاستثمارية، في رسالة نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية في 15 أكتوبر/تشرين الأول، رداً على تغطية الصحيفة للهجمات التي استهدفت مطارات سعودية. وترى الجابري أن طموح السعودية للتحول إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والتمويل لا يعتمد على بناء مراكز بيانات ضخمة فحسب، بل أيضاً على ضمان استمرار تشغيلها خلال الأزمات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية مع اتساع التهديدات الحوثية لتشمل المطارات والمنشآت النفطية. وكانت وكالة رويترز قد أفادت في 15 أكتوبر بأن الأسواق الخليجية تراجعت مع تجدد التهديدات، فيما انخفض المؤشر السعودي بنسبة 0.6% في التعاملات الصباحية، وتراجع سهم أرامكو بالنسبة نفسها. كما هبط خام برنت 2.2% إلى 103.78 دولارات للبرميل في التداولات التي رصدها التقرير.
من أمن النفط إلى أمن البيانات
استفادت السعودية من بنية تحتية بديلة لنقل النفط، أبرزها خط الأنابيب شرق–غرب الذي يتيح نقل الخام إلى ساحل البحر الأحمر وتصديره من دون المرور بمضيق هرمز. وتستحضر الجابري هذا المثال للدعوة إلى التفكير بالطريقة نفسها في البنية التحتية الرقمية.
فمراكز البيانات تحتاج إلى مصادر طاقة موثوقة، وأنظمة تبريد واتصالات مستمرة، ومسارات بديلة لنقل البيانات. وقد تتوقف منشأة عن العمل حتى إن لم تتعرض لأضرار مباشرة، إذا انقطعت الكهرباء أو تعطلت شبكة الاتصالات التي تعتمد عليها.
وتشمل الحلول التي تقترحها الجابري توفير مصادر مستقلة للطاقة، ونسخ احتياطية للبيانات، ومسارات بديلة للشبكات، وتوزيع القدرة الحاسوبية على مواقع متعددة. والهدف هو تجنب اعتماد منشآت مختلفة على نقطة ضعف واحدة، مثل شبكة كهرباء أو مسار اتصالات مشترك.
ولا يعني ذلك أن مراكز البيانات السعودية تعرضت لهجمات في التصعيد الحالي؛ فالرسالة تتناول مخاطر استمرارية الخدمات الرقمية في ظروف الحرب، ولا تقدم دليلاً على استهداف منشآت حوسبة بعينها.
الذكاء الاصطناعي أمام اختبار الثقة
تسعى السعودية إلى توسيع حضورها في الاقتصاد الرقمي وجذب الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والخدمات التقنية. لكن المستثمرين والعملاء الدوليين لا يقيسون جاذبية مراكز البيانات بقدرتها الاستيعابية وحدها، بل بمدى موثوقية الخدمات التي تقدمها وقدرتها على العمل في الظروف الاستثنائية.
وفي هذا السياق، تحذر رسالة «فاينانشال تايمز» من أن بناء منشآت ضخمة لا يكفي إذا كانت الكهرباء أو الاتصالات أو أنظمة التبريد عرضة للتعطل، أو إذا كانت مواقع احتياطية يفترض أنها مستقلة تعتمد فعلياً على البنية نفسها.
وتقترح الجابري أن تتعاون دول مجلس التعاون الخليجي في توفير قدرات احتياطية قريبة جغرافياً، بما يسمح باستمرار الخدمات التي تتطلب سرعة عالية في نقل البيانات، شريطة ألا يؤدي هذا التعاون إلى إنشاء نقاط فشل مشتركة جديدة.
ويفتح هذا الطرح نقاشاً يتجاوز السعودية وحدها، لأن اقتصادات الخليج تتشارك في الروابط التجارية وشبكات الاتصالات والطاقة، بينما تتزايد أهمية الخدمات الرقمية في قطاعات المال والطيران والتجارة والصناعة.
ما وراء الخبر: مرونة البنية التحتية جزء من الأمن الاقتصادي
تكشف التطورات أن حماية الاقتصاد في أوقات النزاع لا تتعلق فقط بمنع الأضرار المادية أو استعادة المنشآت المتضررة، بل أيضاً بقدرة الخدمات الأساسية على الاستمرار إذا تعطلت بعض مكوناتها.
وفي حين يمثل خط شرق–غرب مثالاً على تنويع مسارات نقل النفط، تطرح التحولات الرقمية تحدياً مختلفاً: بناء أنظمة تستطيع مواصلة العمل حتى عند فقدان الطاقة أو الاتصال في موقع معين، مع ضمان وجود بدائل مستقلة وقابلة للتشغيل.
لكن من المهم التمييز بين التحذير الاستثماري والوقائع الميدانية. فالمقال المنشور في «فاينانشال تايمز» يقدم رأياً بشأن متطلبات المرونة الرقمية، وليس تقريراً عن هجوم على مراكز البيانات. أما التهديدات القائمة فتشمل المطارات والمنشآت النفطية، وفق التقارير التي نقلتها رويترز.
وبالنسبة إلى السعودية ودول الخليج، فإن اختبار هذه المرونة قد يؤثر في ثقة المستثمرين بقدرة المنطقة على مواصلة خططها الاقتصادية خلال الأزمات. فالمنافسة على استثمارات الذكاء الاصطناعي لا تتعلق بحجم الطاقة الحاسوبية فقط، بل كذلك بقدرة الدول على ضمان استمرار الخدمات وحماية البيانات وتجنب الاعتماد على مسارات تشغيلية هشة.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *