
في الصباح كان منير فري، 13 عامًا، يذهب إلى مدرسته في ريف تعز، وفي فترة بعد الظهر يساعد والده في رعاية المواشي، ويحلم بأن يصبح أول معلّم في عائلته التي تنتمي إلى أسرة من المزارعين. لكن أصوات القصف والاشتباكات التي اقتربت من قريته خلال الأسابيع الأخيرة بدّلت حياته سريعًا، وانتهى به الأمر نازحًا يعيش مع أسرته في خيمة، ويعمل في السوق بدلًا من الجلوس في مقعده الدراسي.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية في 28 سبتمبر، فرّ منير مع أسرته من منطقة الوازعية في محافظة تعز بعدما اقترب القتال من قريتهم، واتجهوا جنوب غربًا إلى مخيم للنازحين في منطقة الشمايتين، بعدما اضطروا إلى ترك منزلهم وممتلكاتهم ومواشيهم وراءهم. وتقول الصحيفة إن الأسرة وصلت إلى المخيم من دون مال، ولا تملك سوى القليل من الاحتياجات الأساسية.
في المخيم، تبدلت الأولويات. لم يعد منير وشقيقه يقضيان يومهما في الدراسة، بل يخرجان إلى الأسواق لبيع الجوارب وسلع رخيصة أخرى، فيما أصبحت الخيمة الصغيرة التي تتشاركها الأسرة المكونة من الوالدين وستة أبناء بديلًا مؤقتًا عن المدرسة والمنزل معًا. ونقلت الغارديان عن منير قوله إن الدراسة مهمة، لكن الحصول على الطعام والماء والاحتياجات الأساسية أصبح أكثر إلحاحًا، مضيفًا أنه سيواصل العمل إلى أن تنتهي الحرب.
الحرب لا تنتزع المنازل فقط
قصة منير ليست حالة منفردة، بل صورة مصغرة عن أثر التصعيد الأخير على الأطفال في اليمن. فقد أدت موجة القتال الجديدة منذ سبتمبر إلى نزوح أكثر من 130 ألف شخص، بينهم نحو 71 ألف طفل، وفق أرقام عرضها مسؤول اليونيسف في اليمن أخيل آير خلال إحاطة للأمم المتحدة في جنيف. وتتركز غالبية حالات النزوح الجديدة في محافظة تعز ومحيطها.
وتقول اليونيسف إن التصعيد لم يقتصر على إجبار الأسر على مغادرة منازلها، بل عطّل أيضًا الخدمات الأساسية. فقد أُغلقت أو علّقت 243 مدرسة خلال الأسابيع الأخيرة، ما أثر على أكثر من 137 ألف طالب، بينما تعطلت خدمات 26 منشأة صحية تدعمها المنظمة. وكانت الوكالة قد حذرت في منتصف سبتمبر من أن أكثر من 3.2 مليون طفل في سن الدراسة كانوا خارج المدرسة في اليمن حتى قبل التصعيد الأخير.
وفي مدرسة مصعب بن عمير في تعز، حاول مدير المدرسة عبد الواسع عبده إبقاء أبواب المدرسة مفتوحة لأطول فترة ممكنة، حتى يحافظ الطلاب على شيء من الحياة الطبيعية. لكن سقوط صاروخ بالقرب من المدرسة تسبب في حالة من الذعر بين الطلاب، وأُغلقت المدرسة لاحقًا، ما حرم أكثر من 600 تلميذ من مواصلة تعليمهم. ويخشى مدير المدرسة أن يدفع استمرار النزوح والفقر مزيدًا من الأطفال إلى سوق العمل.
حين تتحول الحرب إلى فاتورة يومية
لا تتوقف آثار القتال عند التعليم والنزوح. فقد أدى انقطاع الطريق الرئيسية بين المخا وتعز إلى تعطيل حركة السلع، وهي طريق حيوية لنقل البضائع والحافلات، بحسب الغارديان. ومع صعوبة وصول الإمدادات، ارتفعت أسعار بعض السلع الأساسية، ما يزيد العبء على الأسر النازحة التي فقد كثير منها مصادر دخله أصلًا.
وفي تعز، قال نجار يدعى عصام نبيل للصحيفة إن المدنيين يدفعون كلفة التصعيد، مشيرًا إلى صعوبة وصول السلع واضطرار بعض الأسر إلى التخلي عن شراء اللحوم والاعتماد على أغذية أقل تكلفة. وهكذا تتداخل آثار الحرب في حياة الأسر: منزل يُترك، ومدرسة تُغلق، وطريق تجارية تتعطل، ثم يتحول الطفل من طالب إلى عامل للمساعدة في توفير احتياجات الأسرة.
وتظهر بيانات اليونيسف أن هذه الضغوط تأتي فوق أزمة إنسانية كانت قائمة أصلًا؛ إذ كان 12.2 مليون طفل في اليمن بحاجة إلى مساعدات إنسانية قبل التصعيد الأخير، فيما كان أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة معرضين لسوء التغذية الحاد خلال عام 2026، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة سوء تغذية حاد شديد.
جيل بين المدرسة والبقاء
ما تكشفه قصة منير هو أن كلفة الحرب لا تُقاس فقط بعدد المنازل التي دُمّرت أو المناطق التي تغيرت السيطرة عليها، بل أيضًا بما يحدث داخل حياة الأطفال اليومية.
طفل كان يفكر في مهنة التعليم أصبح يفكر في كيفية بيع ما يستطيع في السوق، ومدرسة كانت تمنحه روتينًا يوميًا تحولت إلى مبنى مغلق، وأسرة كانت تعيش من الزراعة ورعاية المواشي أصبحت تعتمد على ما يمكن لأبنائها كسبه في سوق مزدحم بالنازحين والفقراء.
ومع استمرار القتال، يصبح الخطر الأكبر أن يتحول الانقطاع المؤقت عن التعليم إلى خروج دائم منه. فكل يوم يقضيه الطفل بعيدًا عن المدرسة تحت ضغط الحاجة إلى العمل يزيد صعوبة العودة، خصوصًا عندما تفقد الأسرة مصدر دخلها وتصبح مساهمة الطفل في نفقات المعيشة ضرورة لا خيارًا.
ومن هنا، فإن قصة منير لا تتعلق بطفل واحد ترك مقعده الدراسي؛ إنها نافذة على جيل يمني يجد نفسه مرة أخرى أمام السؤال الأصعب: هل يذهب إلى المدرسة، أم يساعد أسرته على البقاء؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *