
كان أول صوت يخاطب الإيرانيين بعد الإعلان الرسمي عن اغتيال عدد من القادة الإيرانيين في الهجوم الأميركي الإسرائيلي، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، هو صوت أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، إذ ظهر عبر الشاشة الرسمية في كلمة متلفزة، متوعدًا الولايات المتحدة وإسرائيل بـ”درس لن ينسوه”، في لحظة بدت فيها طهران أمام أخطر اختبار لاستمرارية النظام منذ عقود.
شكل هذا الظهور إعلانًا ضمنيًا عن انتقال مركز الثقل داخل بنية القرار الإيراني. فمع اهتزاز هرم القيادة، يبرز علي لاريجاني اليوم بوصفه الشخصية الأكثر حضورًا وتأثيرًا في المشهد السياسي الإيراني، مستندًا إلى مسار طويل يجمع بين التكوين الفلسفي العميق والخبرة التنفيذية والعمل البرلماني وإدارة الملفات الاستراتيجية الحساسة، أبرزها الملف النووي الإيراني.
وقبل أيام من الاغتيال، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن ستة مصادر مطلعة أن خامنئي أوكل إلى لاريجاني مهمة “حماية الجمهورية الإسلامية” في حال تعرضه لأي مكروه، ضمن ترتيبات لمواجهة سيناريو “قطع الرأس”، وضمان استمرارية التسلسل القيادي وتماسك مؤسسات الدولة.
وبحسب التقرير، فإن الدور المنوط به لا يقتصر على إدارة السلطة في ظروف استثنائية، بل يمتد إلى صون ما تعتبره طهران منجزات الثورة الإسلامية منذ عام 1979، والتنسيق مع الحلفاء الاستراتيجيين لمنع انزلاق النظام إلى حالة ارتباك وجودي.
لا يمكن توصيف علي لاريجاني باعتباره محافظًا نمطيًا من حرس الثورة السياسيين. فهو أقرب إلى “براغماتي محافظ” يجيد العمل داخل بنية النظام دون أن يكون أسيرًا للخطاب التعبوي الصدامي. يظهر كرجل دولة أكثر منه قائدًا عسكريًا هجوميًا، ما يجعله مرشحًا طبيعيًا لإدارة مرحلة انتقالية دقيقة، بمزيج من الصلابة في حماية النظام والمرونة في إبقاء الأفق السياسي مفتوحًا أمام احتمالات التهدئة أو إعادة التموضع.
وُلد علي أردشير لاريجاني في 3 يونيو 1958 في مدينة النجف العراقية، لأسرة دينية بارزة تنحدر من مدينة لاريجان في محافظة مازندران شمالي إيران. والده آية الله ميرزا هاشم آملي كان من علماء الحوزة المعروفين.
تلقى تعليمه في قم، ثم التحق عام 1975 بجامعة “أريامهر” للتكنولوجيا – المعروفة اليوم باسم جامعة شريف – حيث درس علوم الحاسوب. لاحقًا انتقل إلى جامعة طهران، ونال الدكتوراه في الفلسفة الغربية، متأثرًا بفلسفة إيمانويل كانت، وهو ما انعكس على كتاباته مثل “الرياضيات في فلسفة كانت” و”الميتافيزيقا والعلوم الدقيقة”.
هذا التكوين الفلسفي العميق انعكس لاحقًا في أسلوبه بإدارة الملفات الحساسة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، حيث تبنى مقاربة منهجية تقوم على الحسابات الدقيقة والتوازن بين الثوابت العقائدية والاعتبارات البراغماتية.
ينتمي علي لاريجاني إلى عائلة ذات ثقل سياسي وديني داخل الجمهورية الإسلامية. شقيقه صادق لاريجاني تولى رئاسة السلطة القضائية سابقًا، فيما شغل محمد جواد لاريجاني منصب أمين عام لجنة حقوق الإنسان، وتولى باقر لاريجاني أدوارًا أكاديمية، بينما عمل فاضل لاريجاني في وزارة الخارجية. هذا الامتداد العائلي عزز موقعه داخل شبكة النفوذ المؤسسية، ورسخ حضوره في قلب النظام الإيراني.
التحق لاريجاني بالحرس الثوري الإيراني عام 1982، وتدرج حتى أصبح نائب رئيس الأركان المشتركة حتى عام 1992. لاحقًا عُيّن وزيرًا للثقافة والإرشاد الإسلامي، ثم تولى رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية لسنوات طويلة، حيث لعب دورًا في إعادة صياغة الخطاب الإعلامي الرسمي.
في عام 2005، أصبح أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وقاد المفاوضات النووية مع مجموعة 5+1، معتمداً على خلق توافق داخلي وتغليب المسار التفاوضي، قبل أن يستقيل عام 2007 إثر خلافات مع الرئيس آنذاك محمود أحمدي نجاد بشأن إدارة الملف النووي.
دخل البرلمان عام 2008 ممثلًا عن مدينة قم، وانتُخب رئيسًا لمجلس الشورى الإسلامي حتى 2019، ليصبح صاحب أطول مدة رئاسة في تاريخ البرلمان الإيراني. خلال رئاسته، دعم الاتفاق النووي المعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”، وأدار جلسة التصويت عام 2015 بطريقة سريعة لمنع انقسام داخلي حاد، ما كلفه تراجعًا في شعبيته لدى بعض التيارات المحافظة، لكنه عزز صورته كرجل مؤسسات.
بعد خروجه من البرلمان، عُيّن مستشارًا للمرشد الأعلى وعضوًا في مجمع تشخيص مصلحة النظام، وحاول الترشح للانتخابات الرئاسية عامي 2021 و2024، لكن مجلس صيانة الدستور استبعده في المرتين، ما أثار جدلًا واسعًا حول توازنات القوة داخل النظام الإيراني.
في ظل التصعيد الأميركي والإسرائيلي وتعرض بنية القيادة الإيرانية لهزة غير مسبوقة، يظهر علي لاريجاني كشخصية فريدة تجمع بين الأمن والسياسة والتفاوض، ويحظى بقبول واسع داخل المؤسسة العسكرية والدينية في إيران. كما يمتلك خبرة معمقة في الملف النووي الإيراني، ويُنظر إليه على أنه قادر على إدارة انتقال السلطة في لحظة حساسة. لهذا السبب، يُعد اليوم رجل المرحلة الحرجة ومركز القوة الجديد في طهران.
المصدر: فريق التحرير – لندن

تفاقم المشهد الأمني في جنوب لبنان ووادي البقاع في 2 مارس 2026، بعد فرار آلاف المدنيين من منازلهم، إثر تهديدات إسرائيلية بشنّ هجمات عسكرية، تلاها قصف جوي مكثف طال مناطق متفرقة. وقد أعادت هذه التطورات تسليط الضوء على هشاشة الوضع اللبناني في ظل تصاعد المواجهة المباشرة وغير المباشرة بين إسرائيل وحزب الله. وفي تطور لافت، [...]

يُعدّ ملف اليورانيوم المخصب العقدة المركزية في أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، بل يمكن اعتباره جوهر الاشتباك الحقيقي بين الطرفين، والعقبة الأثقل التي تعترض مسار أي تسوية تفاوضية. ولا تنبع خطورة هذا الملف من تعقيداته التقنية فحسب، بل من كونه يعكس اختلافًا جذريًا في الرؤية والغايات بين الجانبين. من المنظور الأميركي، يُنظر إلى اليورانيوم [...]

في لحظة إقليمية مشحونة بالتصعيد العسكري وتهديدات إغلاق مضيق هرمز، تأتي زيارة الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، إلى العاصمة الصينية بكين كخطوة تتجاوز البروتوكول، وتعكس إعادة رسم هادئة للتحالفات في منطقة تقف على حافة تحولات كبرى. هذه الزيارة لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الأوسع، حيث يتقاطع التصعيد بين [...]

في مشهد يعكس تعقيدات الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، انتهت جولة محادثات السلام بين United States وIran في العاصمة الباكستانية Islamabad دون التوصل إلى اتفاق، رغم مفاوضات مطولة استمرت أكثر من 21 ساعة، ما يضع وقف إطلاق النار الهش أمام اختبار صعب ويعيد المنطقة إلى مربع التوتر. المحادثات، التي وُصفت بأنها الأهم منذ عقود، كانت [...]

في عالم يشهد أزمات متلاحقة على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والبيئية، يقف المثقف العربي أمام سؤال وجودي وعميق: ما هو دوره الحقيقي في مواجهة هذه التحديات؟ هل هو مجرد مراقب ومفسر للواقع، أم أنه فاعل يستطيع إحداث تغييرات ملموسة؟ هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة لحياة المجتمعات العربية ومستقبلها. الأزمات الاقتصادية: حين يصبح [...]

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع التصريحات السياسية مع الحسابات العسكرية، مما يرفع منسوب القلق العالمي. فبينما يقلل دونالد ترامب من صعوبة إعادة فتح مضيق هرمز في حال إغلاقه أو تعطيله، يرى محللون عسكريون واستراتيجيون أن هذا الطرح يتجاهل تعقيدات ميدانية وسياسية تجعل أي تحرك أمريكي محفوفًا بمخاطر التصعيد واسع النطاق، وربما الانزلاق إلى مواجهة [...]