
يُعدّ ملف اليورانيوم المخصب العقدة المركزية في أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، بل يمكن اعتباره جوهر الاشتباك الحقيقي بين الطرفين، والعقبة الأثقل التي تعترض مسار أي تسوية تفاوضية. ولا تنبع خطورة هذا الملف من تعقيداته التقنية فحسب، بل من كونه يعكس اختلافًا جذريًا في الرؤية والغايات بين الجانبين.
من المنظور الأميركي، يُنظر إلى اليورانيوم المخصب بوصفه المعيار الحاسم لأي اتفاق نووي. ويتمثل الهدف الأساسي لواشنطن في تقليص القدرات الإيرانية ومنعها من الوصول إلى مستويات تخصيب تتيح إنتاج سلاح نووي. ولهذا، جاء اتفاق عام 2015 محمّلًا بقيود صارمة، شملت تحديد سقف التخصيب عند 3.67%، وتقليص حجم المخزون، ونقل جزء كبير منه إلى خارج البلاد، بهدف إبعاد الخطر من جذوره بدلًا من تجميده مؤقتًا.
في المقابل، لا تتعامل طهران مع اليورانيوم المخصب كملف تقني قابل للمساومة، بل تعتبره جزءًا من سيادتها الوطنية وحقًا أصيلًا لا يجوز المساس به. وقد انعكس ذلك في الخطاب الرسمي الإيراني، الذي يضفي على هذا الملف طابعًا رمزيًا شديد الحساسية، ما يجعل أي تنازل فيه مسألة معقدة سياسيًا وتتطلب ترتيبات دقيقة تضمن عدم المساس بالثوابت السيادية.
وفي ظل هذا التباين الحاد، بين إصرار أميركي على إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، وتمسك إيراني ببقائه داخل أراضيها، تبدو فرص التوصل إلى تسوية وفق هذه الثنائية المتناقضة محدودة للغاية. ومن هنا، يبرز اتجاه متزايد نحو البحث عن حلول وسط وسيناريوهات بديلة تقلل من حدة الصدام بين الموقفين.
أحد أبرز هذه السيناريوهات يتمثل في نقل المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، بدلًا من تسليمه مباشرة إلى الولايات المتحدة. ويُنظر إلى هذا الخيار باعتباره أكثر قابلية للتسويق سياسيًا داخل إيران، نظرًا لتجنبه الإحراج المرتبط بالتنازل المباشر لواشنطن.
هذا الطرح ليس جديدًا، إذ سبق أن طُبق جزئيًا في إطار اتفاق 2015، عندما نقلت إيران جزءًا من مخزونها إلى الخارج. كما طُرح مجددًا في سياقات تفاوضية لاحقة، مع استعداد بعض الدول للقيام بهذا الدور، ما يعزز من واقعيته كخيار قابل للنقاش.
وتكمن أهمية هذا السيناريو في كونه يفتح المجال أمام حلول وسط، لا تُبقي المخزون بالكامل داخل إيران، ولا تنقله إلى الولايات المتحدة، بل تضعه تحت إدارة طرف ثالث يحد من المخاوف الأميركية، مع الحفاظ على قدر من الاعتبار السيادي الإيراني.
في حال تعثر خيار النقل إلى الخارج، يبرز سيناريو بديل يقوم على إبقاء اليورانيوم المخصب داخل إيران، لكن تحت رقابة صارمة ومستمرة، تشمل آليات تفتيش مكثفة وإشرافًا دوليًا دقيقًا.
ويترافق هذا الطرح مع إمكانية تجميد التخصيب عند مستويات منخفضة، أو وقفه لفترة زمنية يتم التوافق عليها. ويعكس هذا الخيار مقاربة براغماتية تقوم على إدارة الخلاف بدلًا من حسمه، حيث يمنح كل طرف مساحة للحفاظ على مواقفه الأساسية.
فبالنسبة لإيران، يضمن هذا السيناريو بقاء المخزون داخل أراضيها، بما يحفظ خطابها السيادي. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فيوفر آلية رقابية تحد من المخاطر وتؤجل احتمالات التصعيد.
رغم أولوية المسار التفاوضي، يبقى خيار التصعيد العسكري حاضرًا في خلفية المشهد، خاصة في حال وصول المفاوضات إلى طريق مسدود. وتزداد احتمالات هذا السيناريو إذا ما تمسكت طهران بمواقفها دون أي مرونة، بما يضع واشنطن أمام مأزق سياسي داخلي وخارجي.
وفي مثل هذه الحالة، قد يتحول التصعيد إلى أداة لإعادة فرض التوازن أو لتحقيق مكاسب سياسية، رغم ما ينطوي عليه من مخاطر كبيرة قد تدفع المنطقة إلى حالة عدم استقرار واسعة.
في ضوء تعقيد هذا الملف، يبدو من غير المرجح التوصل إلى حل نهائي وشامل في جولة تفاوضية واحدة. والأرجح هو الوصول إلى إطار عام أو اتفاق مبدئي، يتم بموجبه تأجيل القضايا الأكثر تعقيدًا إلى مراحل لاحقة.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متبادلًا لدى الأطراف بضرورة احتواء التوتر، وخلق مساحة لالتقاط الأنفاس، خاصة في ظل الضغوط السياسية والاقتصادية التي تواجه الجميع.
في النهاية، يظل ملف اليورانيوم المخصب “قنبلة مؤجلة” في قلب المفاوضات، قابلة للانفجار في أي لحظة، لكنها في الوقت ذاته تمثل مفتاح الحل إذا ما توفرت الإرادة السياسية والمرونة الكافية لدى الطرفين.
لندن: وليد سامي الشمري

تفاقم المشهد الأمني في جنوب لبنان ووادي البقاع في 2 مارس 2026، بعد فرار آلاف المدنيين من منازلهم، إثر تهديدات إسرائيلية بشنّ هجمات عسكرية، تلاها قصف جوي مكثف طال مناطق متفرقة. وقد أعادت هذه التطورات تسليط الضوء على هشاشة الوضع اللبناني في ظل تصاعد المواجهة المباشرة وغير المباشرة بين إسرائيل وحزب الله. وفي تطور لافت، [...]

في لحظة إقليمية مشحونة بالتصعيد العسكري وتهديدات إغلاق مضيق هرمز، تأتي زيارة الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، إلى العاصمة الصينية بكين كخطوة تتجاوز البروتوكول، وتعكس إعادة رسم هادئة للتحالفات في منطقة تقف على حافة تحولات كبرى. هذه الزيارة لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الأوسع، حيث يتقاطع التصعيد بين [...]

في مشهد يعكس تعقيدات الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، انتهت جولة محادثات السلام بين United States وIran في العاصمة الباكستانية Islamabad دون التوصل إلى اتفاق، رغم مفاوضات مطولة استمرت أكثر من 21 ساعة، ما يضع وقف إطلاق النار الهش أمام اختبار صعب ويعيد المنطقة إلى مربع التوتر. المحادثات، التي وُصفت بأنها الأهم منذ عقود، كانت [...]

في عالم يشهد أزمات متلاحقة على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والبيئية، يقف المثقف العربي أمام سؤال وجودي وعميق: ما هو دوره الحقيقي في مواجهة هذه التحديات؟ هل هو مجرد مراقب ومفسر للواقع، أم أنه فاعل يستطيع إحداث تغييرات ملموسة؟ هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة لحياة المجتمعات العربية ومستقبلها. الأزمات الاقتصادية: حين يصبح [...]

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع التصريحات السياسية مع الحسابات العسكرية، مما يرفع منسوب القلق العالمي. فبينما يقلل دونالد ترامب من صعوبة إعادة فتح مضيق هرمز في حال إغلاقه أو تعطيله، يرى محللون عسكريون واستراتيجيون أن هذا الطرح يتجاهل تعقيدات ميدانية وسياسية تجعل أي تحرك أمريكي محفوفًا بمخاطر التصعيد واسع النطاق، وربما الانزلاق إلى مواجهة [...]

في لحظة توتر غير مسبوقة، تدقّ الصحافة البريطانية ناقوس الخطر بشأن مستقبل الشرق الأوسط، محذّرة من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تعيد رسم موازين القوى وتدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الانهيار. في افتتاحيتها، ترسم صحيفة الإندبندنت صورة قاتمة لمشهد يتصاعد بسرعة، معتبرة أن الولايات المتحدة فتحت ما يشبه “صندوق باندورا” في المنطقة، في [...]