
تفاقم المشهد الأمني في جنوب لبنان ووادي البقاع في 2 مارس 2026، بعد فرار آلاف المدنيين من منازلهم، إثر تهديدات إسرائيلية بشنّ هجمات عسكرية، تلاها قصف جوي مكثف طال مناطق متفرقة. وقد أعادت هذه التطورات تسليط الضوء على هشاشة الوضع اللبناني في ظل تصاعد المواجهة المباشرة وغير المباشرة بين إسرائيل وحزب الله.
وفي تطور لافت، عُقدت يوم الثلاثاء الماضي محادثات مباشرة بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين رفيعي المستوى، وهي الأولى من نوعها منذ عقود، وسط توقعات مرتفعة بإمكانية تحقيق اختراق سياسي أو ميداني. وبعد وقت قصير من هذه المحادثات، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وقف إطلاق نار لمدة عشرة أيام في لبنان، ما منح السكان فترة هدوء مؤقتة، دون أن يطال ذلك جذور الأزمة أو بنيتها العميقة.
غير أن هذا الاتفاق، رغم أهميته السياسية، لا يعكس العناصر الجوهرية للواقع الاستراتيجي في لبنان، حيث تبقى أسس أي وقف إطلاق نار دائم هشة بطبيعتها. فالحرب الدائرة في جوهرها هي بين إسرائيل وحزب الله، لكنها تُخاض على الأرض اللبنانية، ما يضع الدولة اللبنانية في موقع المتأثر أكثر من كونها طرفًا فاعلًا في إدارة الصراع.
ويزداد هذا التعقيد مع كون حزب الله لم يكن طرفًا مباشرًا في هذه المحادثات، فضلًا عن ارتباطه الاستراتيجي والسياسي بالحرس الثوري الإيراني أكثر من ارتباطه بالمؤسسات الرسمية اللبنانية. ووفق هذا التوازن، فإن الحزب قد يقبل نظريًا بأي اتفاق لوقف إطلاق النار، خاصة في ظل ما تكبده من خسائر ميدانية، لكنه في المقابل سيعمل على إعادة بناء قدراته العسكرية واستعادة جاهزيته بمجرد توفر الظروف المناسبة.
وتدرك إسرائيل هذه المعادلة جيدًا، إذ تستند مقاربتها الحالية إلى خلاصة تجارب سابقة مع اتفاقات وقف إطلاق النار، مفادها أن أي اتفاق لا يتضمن آليات تنفيذ ورقابة صارمة لن يمنع حزب الله من إعادة التسلح أو إعادة التموضع. لذلك، فإن الأولوية الإسرائيلية لا تقتصر على التوصل إلى تفاهمات مع الدولة اللبنانية، بل تمتد إلى إضعاف حزب الله ميدانيًا بشكل مباشر.
في المقابل، لا تملك الحكومة اللبنانية القدرة الفعلية على فرض سيادتها الكاملة أو تطبيق قراراتها على حزب الله، حتى في حال امتلك الجيش اللبناني الإرادة السياسية أو القدرة الفنية لذلك، إذ تبقى معادلة نزع سلاح الحزب خارج نطاق التوافق الداخلي، وأبعد من قدرة الدولة على التنفيذ في المرحلة الراهنة.
وتتضمن المطالب الإسرائيلية أيضًا إنشاء “منطقة أمنية” على طول الحدود اللبنانية، إلى جانب إبعاد التهديدات الصاروخية، وهي مصطلحات تُترجم عمليًا إلى إعادة هندسة المشهد الحدودي بما قد يشمل تهجير سكان وإعادة توزيعهم داخل الداخل اللبناني، ما يزيد من الضغط على دولة تعاني أصلًا من انهيار اقتصادي وأزمات سياسية عميقة.
كما يُتوقع أن تؤدي موجات النزوح، التي تطال في الغالب مناطق ذات أغلبية شيعية، إلى توترات داخلية مع الطوائف الأخرى في المناطق المستضيفة، ما قد يخلق ديناميات اجتماعية جديدة تُضاف إلى الانقسام القائم أصلًا بين حزب الله وبيئته من جهة، وبقية المكونات اللبنانية من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، يبدو أن حزب الله وافق ضمنيًا على صيغة اتفاق تتيح له هامشًا من الحركة داخل لبنان، بما يشمل إعادة التسلح ونقل أو إخفاء بعض القدرات العسكرية. وفي المقابل، من غير المرجح أن يبادر الحزب إلى خرق وقف إطلاق النار بشكل مباشر في المرحلة الحالية، لكنه سيستغل فترة الهدنة لإعادة ترتيب قدراته استعدادًا لجولات لاحقة من الصراع، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديدًا قائمًا لا يمكن إدراجه ضمن أي تفاهمات مستقرة.
وهنا تتجلى العقبة المركزية أمام أي وقف إطلاق نار دائم، إذ إن لبنان يسعى إلى التهدئة دون الذهاب إلى خيار نزع سلاح حزب الله، بينما يتمسك الحزب بهامش حركة عسكرية داخل البلاد، في حين ترفض إسرائيل هذا الواقع بالكامل. ونتيجة لهذا التناقض، يصبح الوصول إلى وقف إطلاق نار شامل ومستدام على مستوى لبنان بأكمله أمرًا بالغ الصعوبة.
ورغم هذه التعقيدات، لا يمكن النظر إلى المحادثات اللبنانية الإسرائيلية ووقف إطلاق النار المؤقت باعتبارها بلا أثر. فمجرد عقد لقاءات علنية بين مسؤولين رفيعي المستوى، برعاية أميركية، يمثل كسرًا لمحظورات سياسية طالما حكمت المشهد اللبناني، خصوصًا فيما يتعلق بالتواصل مع إسرائيل.
وفي الداخل اللبناني، يواجه هذا المسار رفضًا من بعض القوى لأسباب أيديولوجية وتاريخية، في حين يرى آخرون أن مجرد الجلوس إلى طاولة تفاوض، حتى دون نتائج فورية، يمثل خطوة باتجاه استعادة قدر من السيادة السياسية بعيدًا عن هيمنة حزب الله وإيران.
ويكشف هذا الانقسام عمق التباين داخل المجتمع اللبناني بين معسكر يرى إسرائيل كعدو وجودي لا يمكن التفاوض معه، ومعسكر آخر يعتبر أن استمرار الحرب مرتبط بوجود حزب الله، وأن احتواء التصعيد يمر عبر تقليص دوره العسكري.
ومن المنظور الإسرائيلي، لا تزال تل أبيب تنظر إلى لبنان باعتباره دولة ضعيفة غير قادرة على تنفيذ التزاماتها، وتتعامل معه من زاوية أمنية بحتة، ما يجعل استمرار العمليات العسكرية ضد حزب الله خيارًا قائمًا بغض النظر عن الاتفاقات المؤقتة.
ومع ذلك، قد تفتح الخطوة اللبنانية باتجاه التفاوض نافذة دبلوماسية محدودة، خاصة في ظل الضغوط الدولية، بما فيها الضغوط الأميركية الساعية إلى تثبيت تهدئة أوسع في المنطقة. وقد لا يقود ذلك إلى تسوية شاملة، لكنه قد يتيح مكاسب تدريجية للبنان، مثل تقليص الاستهداف المباشر لبعض المناطق، أو منح الجيش اللبناني مساحة أكبر لتعزيز قدراته، أو السماح بعودة جزئية للنازحين.
وفي المحصلة، ورغم تشابك المصالح وتعقيد المشهد، قد تمثل هذه التحركات بداية مسار طويل لتفكيك دورة الصراع الممتدة بين لبنان وإسرائيل منذ عقود، حتى وإن ظل الوصول إلى تسوية شاملة أمرًا بعيدًا وغير مضمون النتائج في المرحلة الراهنة.
لندن – طارق سامي العلي

في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة السياسية والإعلامية، بعدما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً صادماً باستهدافها، رغم أنها تعد واحدة من أقدم الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج. في البداية، ظن الجميع أن ترامب زلّ لسانه وأن إيران هي [...]

يقدّم التحليل المنشور في “ناشونال إنترست” قراءة تتجاوز اللحظة العسكرية المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ليدخل في سؤال أعمق يتعلق بإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الخليج، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية الانتقال إلى نموذج “الاعتماد الذاتي” أو “الأمن المُشترك” بين دول الخليج. الفرضية المركزية التي ينطلق منها النص هي أن الحرب الأخيرة [...]

في قلب شبكة معقدة تمتد من بنغازي إلى دبي ومالطا ولندن، يبرز اسم أحمد جاد الله بوصفه أحد أكثر الشخصيات الليبية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة. رجل الأعمال الليبي، الذي يعيش حياة مترفة بين الطائرات الخاصة والفنادق الفاخرة، بات وفق تقارير دولية وأممية، لاعبًا محوريًا في شبكة مالية واقتصادية مرتبطة بمعسكر خليفة حفتر، وسط اتهامات [...]

بعد ثلاثة أشهر على بدء التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران، تبدو الصورة في الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحقق تقدمًا حقيقيًا نحو أهدافه الاستراتيجية، أم أنه يواجه مأزقًا سياسيًا وعسكريًا متصاعدًا قد يعيد رسم ملامح النفوذ الأمريكي في المنطقة. ورغم ما [...]

في شرق الإمارات، وعلى امتداد الساحل المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في الخليج، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالموانئ وخطوط الإمداد والشاحنات التي لا تتوقف. هناك، في مينائي الفجيرة وخورفكان، يتشكل المشهد الجديد للتجارة الخليجية بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر مفتوحة تهدد حركة السفن وإمدادات [...]

لم تعد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من الدول العربية تُقرأ ضمن الإطار التقليدي للدبلوماسية العربية القائمة على التضامن السياسي أو الروابط التاريخية المشتركة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى والتحالفات منذ أكثر من عقد. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت الإمارات من دولة خليجية عُرفت بالدبلوماسية الهادئة [...]