الرئيسية/آراء/المرفأ الذي لن يصل إليه لبنان أبداً
آراء

المرفأ الذي لن يصل إليه لبنان أبداً

لقطة الشاشة 1446-03-07 في 12.20.56 ص
📸لقطة الشاشة 1446-03-07 في 12.20.56 ص
اليوم ميديا

سلطان السعد القحطاني

يُعلِّمك لبنان أن تتجاهل كل نظريات العلوم السياسية، ومبادئ العلاقات الدولية. تجد نفسك أمام بلد يسير عكس مصالحه، كأنه بلد انتحاري في عالم لا ينقصه الجنون. ولسوف يحيّر هذا البلد الصغير معظم منظِّري القرن الجديد، وهم يقرأون كيف تعامل مع محيطه، وحلفائه وأعدائه خلال العقود الأخيرة. لبنان أمام موت جديد، في قصة ليست جديدة.

وإذ تتذكر نهار المرفأ الذي غادر بر الأمان، فإنك تتذكر أنه لم يكن يوماً اعتياداً، فلقد اكتست المدينة بلون الحداد بعد أن نفث فيها النافثون رماد الأحقاد المكينة، وتتذكر هواءً يكاد يكون غير الهواء. كان الهواء إذا يمر في شوارع بيروت كأنما يعبر بين غابات من النايات والمزامير البهيجة؛ يمر بها حفيفاً، فيأتي ذلك الصوت الألِق، ليشعل مدينة الفرح فرحاً، وتصبح الحقول أحلاماً تمشي، كأنها جسد لروح آيبة.

كانت لنا أيامنا هناك في تلك المدينة البيضاء. لقد سرقتنا قبل أن نراها، وحين رأيناها خطفتنا، ومضت بنا إلى ذُرى الذواري الذارية، كي نتعلم أبجدية الروح والريحان، ونظرة النعيم. كم قرأنا وعشقنا، وكتبنا، وفكَّرنا. كانت في كل الصفحات التي قرأناها، ونحن صِبية نفكر كيف نسرق القمر، وبنت القمر، والمدينة الجميلة. وتسأل نفسك: أهو المكان الذي سمعتَ فيه فيروز، وبكيتَ سعيد عقل، وشربتَ جبران، ورأيتَ تويني، وقرأت النهار؟! حتماً لا. هذا محيط من الزمان والمكان لا أعرفه. بيروت أُمٌّ صبور، ولبنان جدٌّ وقور. مهما فعل أبناؤهما الأفاعيل فلا قلق، ولا خوف، بل نهر من الصبر طويل طويل. فالطعام على المائدة، والخبز هناك، والدفء والانتظار.

وإن كانت الأنفس البشرية ضيقة الأفق، فالأحداث تعلِّم الكثير. لقد كان ذلك النهار الرمادي درساً جديداً، في سلسلة من الدروس العمومية. لم تفرِّق تلك الموجات الكيميائية بين أحد وأحد، وهي تنفث ظلامها الرمادي على المدينة والبشر. كانت رسالة قدرية لكل ساكن مستكين فوق تلك الأرض، أن حالة اللاوعي يجب أن لا تستمر، وأن مستقبلاً قادماً لا بد أن يأتي، ولو على بقايا البقايا. حان وقت فتح الكتب، ومراجعة السطور، وكتابة فصول جديدة.

لقد تأخر لبنان عن ركب الحضارة كأنه نهر جفَّ. تتساءل: أين الذين فجَّروا مخيلة العالم العربي، وصنعوا أناقته، وكانوا مبتدأ الفعل والمنتهى في الجمال والتحضر. صعقة مدوية لعقلك وأنت تُسائله: كيف جفَّ النهر؟ لن ترى فيروز جديدة ولا جبران ولا الأخطل الصغير، ولا كتباً، ولا كتاتيب، وربما لا طيور بيضاء فوق المدينة القاتلة المقتولة.

ولكن يبقى الأمل. لعل بعضاً من الأمل لا يزال هناك، في عقول جيل جديد، رأى كيف أن المناكفة سرقت من البلد روحه، وأن الانقسام مرض العصر السياسي الذي لا منتصر فيه، وحتى المنتصر خاسر.

المسلسل السياسي اللبناني معروف مسبقاً، فبعد أشهر من الكر والفر والحوارات ستعود الوجوه القديمة إلى مكانها مرة أخرى. أولئك الذين أدخلوا لبنان إلى نفقه القديم عادوا، ولا تحتاج إلى أن تكون عبقرياً لتعرف أن الأخطاء لا تصلح نفسها على يد مرتكبي الأخطاء أنفسهم. الجمهورية في إجازة. كانت صرخة تويني تلك، عابرة للعصور، ودمغة لتاريخ طويل من الإخفاقات.

من يقول إن لبنان اغتيل في نهار المرفأ مخطئ، فلبنان مات حين اغتيل الحريري، ليس بسبب الرجل والمكان والمكانة والاسم والفعل، بل لأن لغة جديدة برزت على السطح، وتجاوزاً للحدود حدث، ولم يعد لبنان هو الأولوية، ومصالحه الخط الأحمر الذي تقف عنده الأحزاب وخلافاتها. طغت لغة السلاح، والقوة، ولم تعد بيروت محصنة، ضد العنف، والفوضى.

ستارة الختام تهبط عليك لتقول لك مواسيةً أحلامك: هذا وطن حزين، كان حرف العالم العربي، وحرفته، وبهجته، وجماله، وسحره، وغدَا الآن حزننا الذي نخجل منه.

نقلا عن صحيفة “الشرق الأوسط“.

"
سلطان السعد القحطاني يُعلِّمك لبنان أن تتجاهل كل نظريات العلوم السياسية، ومبادئ العلاقات الدولية. تجد نفسك أمام بلد يسير عكس مصالحه، كأنه بلد انتحاري في عالم لا ينقصه الجنون. ولسوف يحيّر هذا البلد الصغير معظم منظِّري القرن الجديد، وهم يقرأون كيف تعامل مع محيطه، وحلفائه وأعدائه خلال العقود الأخيرة. لبنان أمام موت جديد، في قصة
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة