الرئيسية/آراء/مفترق «إخوان» الأردن
آراء

مفترق «إخوان» الأردن

66e453674beb7
📸66e453674beb7
اليوم ميديا

فيصل الشبول

استثمرَ الإخوانُ المسلمون في الأردن بالغضب. الأردنيون هم الأقربُ إلى فلسطين، تاريخياً وجغرافياً وديموغرافياً، وعلى مدى عامٍ تقريباً منذ العدوانِ الإسرائيلي على قطاعِ غزةَ والضفة الغربية، وفي الوقت الذي كانت فيه الدبلوماسية الأردنية تستثمرُ في علاقاتها عربياً وعالمياً لفضحِ ادعاءاتِ حكومة نتنياهو من جهة، وإيصالِ المساعداتِ الإنسانيةِ والمستشفيات الميدانية من جهة أخرى، انشغلَ «إخوان» الأردن بقيادةِ المظاهراتِ في نهاية كلّ أسبوع، واستثمارِ حالةِ الغضبِ الرسمي والشعبي.

صدحتْ مكبراتُ الصَّوتِ الإخوانيةُ بالتضامن مع الأشقاء وشتمِ إسرائيلَ والأميركان، لكنَّها لم تتوقَّفْ عندَ هذا الحدِّ، بل صَوَّبتْ خطابَها للدَّاخل، في محاولةٍ لتحريكِ المشاعرِ والعشائرِ، واتِّهام الموقفِ الرسمي للدولة. وفي كلّ مسيرةٍ واحتجاجٍ كانتِ المطالبةُ المستمرَّةُ بإلغاءِ معاهدةِ السَّلامِ وطردِ السَّفيرِ الإسرائيلي (غير الموجود في عمَّان منذ زمنٍ طويل).

ردَّتْ صناديقُ الاقتراعِ في الأردن التَّحيةَ لـ«الإخوان» ومنحتْهم 31 مقعداً في البرلمان، من أصل 138، أي مَا نسبته 23 في المائة من مجموعِ أعضائِه.

في الأردن وربَّما في بعضِ بلادِ الشَّام يقولون «حكي القرايا غير حكي السرايا»، ومعناه أنَّ لكلِّ مقامٍ مقالاً، وأنَّ الجلوسَ تحت قبةِ البرلمان المنظَّمةِ والمكيفةِ ليس كوقفةِ الشَّارعِ بحرِّها وقرِّها، الأمر الذي يستوجبُ كلاماً مختلفاً ليسَ على صعيدِ نبرةِ الصَّوتِ فحسب.

قد تكونُ كتلةُ الإخوان المسلمين الأكبرَ في البرلمان، وربَّما تتحالفُ الأحزابُ الوسطيةُ فتشكّل كتلةً أو اثنتين أكبر منها، ولكن تبقَى الحقيقةُ الأكثرُ وضوحاً أنَّ الكتلةَ الإخوانيةَ ستكون الأكثرَ تماسكاً.

غير أنَّ تماسكَ «الإخوان» لا يعنِي أنَّ أعضاءَهم في البرلمانِ على سويةٍ واحدة، فَمِنَ التَّجاربِ السَّابقةِ ما يؤشّرُ على أمثلةٍ كثيرةٍ، مارسَ فيها أعضاءٌ منهم كمَا من غيرِهم أفعالاً أدَّت إلى توتُّراتٍ وانفعالاتٍ تحت القبة، تُنقلُ في بثٍّ حَيٍّ ومباشرٍ، ويكونُ للميكروفون والكاميرا فعلُ السّحرِ فيها للعامَّة خارجَ القبة.

التَّصويتُ الغاضبُ إزاءَ ما يجري في فلسطين، وفي مواجهة أوضاعٍ اقتصاديةٍ صعبة، ووسط تهديداتٍ تأتي من خارج الحدودِ وعبرَها، ومن وجودِ ثلاثةِ ملايين غير أردنيين يتقاسمون المياهَ والمواردَ الشحيحةَ، أفرزَ مجلساً نيابيّاً صوَّت له ما نسبتُه 32 في المائة من الهيئة الناخبة في الأردن.

نسبةُ نوَّابِ «الإخوان» في المجلسِ الجديد هي أقلُّ ممَّا كانت عليه في عام 1989، إذ بلغتْ نحوَ 28 في المائة في حينه، ونحوَ 40 في المائة من تحالفاتٍ عُقدت مع إسلاميّين مستقلّين ويساريّين وقوميّين، أمَّا في المجلس الحالي، فإمكاناتُ التَّحالفِ محدودة.

في يقيني أنَّ قيادةَ المجلسِ النّيابي حالَ انعقادِه، وشخصيةَ رئيسِ وأعضاءِ الحكومةِ الجديدة من جهة، وترشيدَ خطابِ نوابِ «الإخوان» تحتَ قُبَّةِ البرلمان من جهة أخرى، من شأنِها أن تكونَ مصدرَ قوةٍ للأردن وجبهتِه الداخلية، في مواجهةِ التهديدات، لا سيما غطرسة وطموحاتِ اليمينِ المتطرفِ في إسرائيل.

إخوان الأردن اليوم، وبعد نحوِ ثمانين عاماً من وجودهم في الأردن، رتَّبتْ عليهم نتائجُ الانتخاباتِ الأخيرة مسؤولياتٍ تجعلهم أمام مفترق: فإمَّا أن يكونوا جزءاً من تماسكِ سلطاتِ الدولةِ، أو أنَّهم سيدفعونَها إلى خياراتٍ لا ترغب فيها، لا في مثلِ هذه الظروف، ولا في كلّ الظروف.

يدركُ قادةٌ موضوعيون في الحركة أنَّ الأردن، ربَّما باتَ المكانَ الوحيدَ الذي عاشوا فيه باستقرار، «رغم نصائحَ باستهدافهم ومواجهتهم».

نقلا عن صحيفة “الشرق الأوسط“.

"
فيصل الشبول استثمرَ الإخوانُ المسلمون في الأردن بالغضب. الأردنيون هم الأقربُ إلى فلسطين، تاريخياً وجغرافياً وديموغرافياً، وعلى مدى عامٍ تقريباً منذ العدوانِ الإسرائيلي على قطاعِ غزةَ والضفة الغربية، وفي الوقت الذي كانت فيه الدبلوماسية الأردنية تستثمرُ في علاقاتها عربياً وعالمياً لفضحِ ادعاءاتِ حكومة نتنياهو من جهة، وإيصالِ المساعداتِ الإنسانيةِ والمستشفيات الميدانية من جهة أخرى، انشغلَ
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة