الرئيسية/آراء/وحدة الساحات
آراء

وحدة الساحات

thumbs_b_c_f44508d7700fbbe1c7dfca0cedac17a3
📸thumbs_b_c_f44508d7700fbbe1c7dfca0cedac17a3
اليوم ميديا

سمير عطا الله

يمضي المرء العمر في متابعة أحداث الآخرين. من زمن الراديو إلى زمن المباشر. وأحياناً يرافق تلك الأحداث من مواقعها. يسمع صراخ الناس، ويشاهد هروبهم، ويرى أعمارهم تتدحرج أمامهم على الطرقات. يحزن معهم. وفي داخله يبكي مع أطفالهم. وفي داخله أيضاً يندِّد بظالميهم، وبأسى، لتفاهة الكون.

ومع السنين يتحول بكل ما كتب إلى أدب الأخبار، أو أدب الرسائل، أو سيرة المراسيل. ويعود كل واحد من حيث أتى. وتتتالى البلدان والأحداث والأزمنة، وتتحول التجارب إلى حكايات، وذكريات، وموشحات، وهات اسمعنا رنة العيدان، ويسمع ندامى الحان.

فما أنت إلا غريب وعابر. تعود إلى ديارك ويعود الحدث إلى دياره. ويبحث الحدث عن مكان آخر. وعنوان آخر. وأنت تريد عنواناً، لا رتابة فيه ولا تكرار. وفي غضون ذلك تمضي الوقت في شيء مُسَلٍ شبيه بالكلمات المتقاطعة. مثلاً كيف تترجم تحفة (تي. إس. إليوت) «الأرض اليباب»؟ هل تتركها هكذا على ترجمة بدر شاكر السياب؟ هل تفضل عليها «الأرض الخراب» كما قرأتها اليوم، للمرة الأولى؟ أم تعود إلى ترجمتك الأولى «الأرض الهباء»؟ باعتبارها الأقرب إلى ما كان يقصده تي.إس. إليوت. ما أجمل الدنيا ما دامت بعيدة عنك. اختلف الأمر تماماً الآن. انتقل الحدث من ديار الآخرين إلى ديارك. من أرضهم إلى أرضك. والقتلى ليسوا في جنوب فيتنام، بل في جنوبك.

ومرّ عام على الحرب ليس في جوارك، بل في دارك. وعندما يتساءلون هل تتطور إلى إقليمية أو أكبر، فهم يقصدون المطار الذي تسافر منه وتعود إليه، والميناء الذي قد يغلق هو أيضاً. منذ عام أصبح الخبر بلدك، والمهجرون أصدقاءك، والمهاجرون سائر شعبك. وعندما يتحدثون عن الحرب والهدنة ومساندة غزة، فهذا أنت. وعندما يصار إلى توأمة رفح مع حدود لبنان، فاعلم أن وحدة الساحات قد تمت. ينقصها، كالعادة، «وحدة الأفئدة»!

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

"
سمير عطا الله يمضي المرء العمر في متابعة أحداث الآخرين. من زمن الراديو إلى زمن المباشر. وأحياناً يرافق تلك الأحداث من مواقعها. يسمع صراخ الناس، ويشاهد هروبهم، ويرى أعمارهم تتدحرج أمامهم على الطرقات. يحزن معهم. وفي داخله يبكي مع أطفالهم. وفي داخله أيضاً يندِّد بظالميهم، وبأسى، لتفاهة الكون. ومع السنين يتحول بكل ما كتب إلى
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة