الرئيسية/آراء/وسواس العظمة يفسد الناس
آراء

وسواس العظمة يفسد الناس

لقطة الشاشة 1446-03-14 في 9.45.25 م
📸لقطة الشاشة 1446-03-14 في 9.45.25 م
اليوم ميديا

بكر عويضة

يعجب المرء مما يحدث لأناس يصعد أحدهم درجات سلم مجد الشهرة، ويحصد من بريق أضواء الشهرة ما يضعه إما موضع إعجاب ذوي نيّات حسنة يتمنون له مزيدَ النجاح والتألق، أو يجعله محل غيرة وحسد الذين أدمنوا البغض لكل ناجح، فتحمل صدورهم الشحناء ضد كل متفوق. هكذا تناقض في التعاطي مع المتميزين بأي من المجالات، يحدث لهم داخلياً، أي حيث المجتمع الذي فيه نشأوا، ثم نجحوا، أو أنه يتمدد عالمياً فينتشر في فضاء أوسع. بيد أن أولئك المتألقين أنفسهم، تصدر فجأة عن بعض منهم سلوكيات يقدمون عليها، أو أقوال يتفوهون بها تنم عن سفه عقل، أو استخفاف بكل ما عداهم، فتفضح البشع مما أخفوا عن الناس من جوانب شخصياتهم، وإذ تنتشر حكايات سلوكياتهم، أو مضامين تصريحاتهم، على منصات الإعلام، وخصوصاً تلك النهمة دائماً لتعميم روائح أخبار الفضائح، حينئذ يتساءل العقلاء بما مضمونه؛ تُرى ماذا حصل كي يتجاوز عاقل متميز حدود العقل فيقدم على الذي فعل، أو نطق؟

خلاصة الجواب، وفق تقديري، وليس لي أن ألزم غيري بها، هو أن وسواس الشعور بالعظمة يوّلِد نوعاً من الإحساس يقنع من يسيطر عليه، أن ما يجوز له غير جائز لغيره من الناس، فينطلق مسلوب العقل والإرادة بعدما خضع لذلك الوسواس، يفعل، أو يقول، ما يظن، آثماً، أنه صحيح، حتى لو كان ضد كل نواميس علاقات البشر الطبيعية. ضمن هذا السياق، يمكن إعطاء أكثر من مثال، سواء من أمس بعيد، أو قريب. بيد أن الأقرب زمنياً بينها هو الذي حصل مع هيو إدواردز، المذيع السابق في تلفزيون «بي بي سي». لقد تمتع مستر إدواردز بقدرٍ من الاحترام حقيقٍ بكل نجم تلفزيوني يسطع حضوره في مجتمعه، بعدما يدخل بيوت الناس، وربما يجلس معهم حول موائد الطعام، فيما يشاهدونه يقرأ لهم الأخبار وهم يتناولون العشاء. استمر ذلك الوضع إلى أن ذاع نبأ إقدام إدواردز على دفع مال من مرتبه، المدفوع له من جيوب دافعي ضرائب «العمة» – كما يداعب الإنجليز «بي بي سي» – مقابل شراء صور فاضحة لأطفال.

إذنْ، واضح أن وسواس عظمة استولى على هيو إدواردز، المُفتَرض أنه ذو عقل راجح، فضلاً عن كونه ربَّ أسرة، وهو نفسه يقوم على تربية أطفال إلى جانب زوجته، فسوّل له ذلك الخناس افتراض أن إخفاء الفعل الخطأ ممكن إلى الأبد. حقاً، ما أخطر الوهم حين يصوّر لمن هم مثل هيو، وبشر آخرين غيره ممن ليسوا في مستوى نجوميته، أن حبل الكذب الطويل لن ينقطع أبداً، فترى الواحد منهم لا يتورع عن ارتكاب حتى الفحشاء، متوهماً أن سره لن ينفضح أبداً. هكذا يفعل مسلوب العقل الصائب، ومُضيّع فطرة الخير السوية. الاثنين الماضي حُكم على إدواردز بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ لسنتين، ووضع اسمه في سجلات مرتكبي الجرائم الجنسية سبع سنوات. كم فادح هو الخسران إذ يُضيّع المرء حصيلة مشوار الحياة باستجابة عمياء لوسواس عظمة مخادع وكاذب، فيقع في براثن الخطيئة.

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط.

"
بكر عويضة يعجب المرء مما يحدث لأناس يصعد أحدهم درجات سلم مجد الشهرة، ويحصد من بريق أضواء الشهرة ما يضعه إما موضع إعجاب ذوي نيّات حسنة يتمنون له مزيدَ النجاح والتألق، أو يجعله محل غيرة وحسد الذين أدمنوا البغض لكل ناجح، فتحمل صدورهم الشحناء ضد كل متفوق. هكذا تناقض في التعاطي مع المتميزين بأي من
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة