الرئيسية/آراء/أكبر من لبنان!
آراء

أكبر من لبنان!

لقطة الشاشة 1446-03-14 في 7.38.47 م
📸لقطة الشاشة 1446-03-14 في 7.38.47 م
اليوم ميديا

سوسن الأبطح

مُحقّ أنطونيو غوتيريش، حين يقول إن «لبنان على حافة الهاوية، وقد يتحوّل إلى غزة ثانية»، لكنها فضيحةٌ مدوّية أن يُعلن أمين عام الأمم المتحدة عجزه المطلق من أعلى منصة دولية، وفشل منظمته المهابة في كبح مُجرِمي مجازر غزة المستمرة منذ سنة (ويبشّرون بسنة إضافية)، ويتنبّأ بمجازر جديدة قد تكون أكبر وأضخم.

باعتراف إسرائيل أن الغارات التي تشنّها على لبنان هي الأعنف في تاريخها، ومقارنةً بحرب 2006 على لبنان التي دامت 34 يوماً، راح ضحيتها 1200 قتيل، فإن إسرائيل قتلت في اليوم الأول من قصفها المكثَّف هذه المرة 550 ضحية، بينهم نساء كُثر وأطفال، أي نصف مَن قتلتهم خلال شهر كامل طوال الحرب السابقة.

إسرائيل ليس أمامها سوى أن تقتل بلا ضوابط، ما دام أنها أُعطِيَت «شيكاً دولياً» على بياض، لتمارس ما لم يجرؤ عليه أحد على الإطلاق، منذ وُضعت القوانين الدولية إثر الحرب العالمية الثانية، وأُطلق العنان لوسائل التواصل لتنقل الإبادة وقصف المستشفيات ومدارس اللاجئين وخيامهم بالبث المباشر.

للوهلة الأولى، يبدو سيناريو حرب 2024 شبيهاً بـ2006، لكن إسرائيل هذه المرة جريحة ونازفة، تبحث عن صورة نصر فاقعة، تعويضاً عن مهانتها، ومحلّلوها يُلقُون باللوم على قادتهم؛ لأنهم انسحبوا من لبنان عام 2000 خشيةَ استنزاف الجيش، ولولا ذلك التخاذل المدوّي لما تجرّأت «حماس» وتطاوَل غيرها.

تغيّرت إسرائيل خلال 18 سنة، ولم تتبدَّل أطماعها التوسعية، ولا يزال «العربي الجيد هو العربي الميت»، إنما ازدادت استشراساً، وتطرّفاً وحقداً، وحكامها يُفصِحون بما كانوا يُضمِرون، منتهزين ضَعفاً أميركياً غير مسبوق، مع طمع في جَرّ حليفتهم إلى حرب كبيرة تشمل إيران؛ إذ يسعى نتنياهو بكل ما أوتي من خبث وحيلة إلى هذه الغاية، وتُقابله إيران بالعَضّ على الجرح؛ لتفويت الفرصة عليه.

برنارد هنري ليفي «غراب الثورات العربية»، داعم الصهيونية في دمويتها واحتلالها، لا، بل هو محاميها وشارح أهدافها وأحد أذرُعها، تحدّث بوضوح قبل أيام، وكان الرجل قد ظهر خلال الثورات، في كل مكان حلّ فيه الدمار، خصوصاً في ليبيا، وها هو يطلّ من جديد، وينعق بمناسبة الحرب على لبنان، يخبرنا «فيلسوف العصر» أن مرامي الحرب أكبر من غزة ولبنان، وأن الهدف الحقيقي هو الوصول لقصف البرنامج النووي الإيراني، ومن خلف إيران روسيا والصين.

يخبرنا ليفي الفرنسي، ذو الأصول الجزائرية، عن حرب لا تُبقي ولا تَذَر، عن قوتين متواجهتين، ستَبقيان تتصارعان، إلى أن تقضي إحداهما على الأخرى، ما كنا لنُصغي لليفي هذا لو أن بنيامين نتنياهو ووزراءه، وشريكتهم أميركا، يقولون شيئاً آخر.

بدلَ أن تُنهي إسرائيل حربها على غزة، تجدها تسعّر النار من جديد هناك، وتبدأ بالتزامن قصفها المجنون على لبنان، مع هجمات ضارية على الضفة، بُغية تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على الأرض، أهداف يتكرّر الكلام عنها على محطاتهم التلفزيونية، ووزراء نتنياهو أنفسهم يقومون بالمهمة.

المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية ديفيد مينسر يعترف أن هدف حرب لبنان جعل حدود إسرائيل على نهر الليطاني. روني مزراحي المقرّب من نتنياهو، توقّع ببساطة أن يكون الأردن البلد التالي بعد لبنان؛ لأن إيران سيكون لها مصالح فيه.

حُجج إسرائيل جاهزة لتنقضّ على فلسطينيّي 48، وتطردهم باتجاه لبنان، كما تحاول دفع سكان غزة إلى سيناء.

مع أن العنوان العريض للحرب على لبنان هو إعادة 100 ألف مستوطن إلى بيوتهم شمال إسرائيل، لكن نتنياهو يَعُدُّها حرباً استباقية، مدَّعياً أن «حزب الله» كان ينوي هجوماً على غرار 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فالحروب الاستباقية، بعد أن نفشت إسرائيل ريشها، عادت إلى الواجهة؛ إذ يشرح ليفي أن إيران يتوجّب أن تُضرَب استباقياً، لإحباط مشروعها النووي، فكيف لإسرائيل أن تحتمل دولة نووية أخرى في المنطقة؟

منذ سمعنا أن أميركا لا تريد حرباً برّية أدركنا أنها لا بد واقعة، تماماً كما عبّرت من قبل عن رفضها لاجتياح رفح، وأكّدت عشرات المرّات أن اتفاقاً بين إسرائيل و«حماس» بات وشيكاً، وتَبيَّن كذب كل الادعاءات، لم يَعُد لأميركا من دبلوماسية تُحترَم منذ أصبحت تقول الكلام وتتصرف عكسه، ويجوب وزير خارجيتها أنتوني بلينكن عواصم منطقتنا، وكأنه يدور حول نفسه، ويظل خالي الوفاض.

إن نجحت إسرائيل في كسر «حزب الله» عسكرياً، كما تتوقّع، ستُكمل مشروعها على مختلف الجبهات بما فيها لبنان، وإن ظهر أن الترسانة التي يتحدث عنها الحزب لا تزال فاعلةً، وأمكنه أن يصمد ويقصف ويرعب، عندها نحن أمام حرب طويلة، تتحقَّق فيها نبوءة المسكين غوتيريش، مع احتمال ضئيل في الوصول إلى حلّ دبلوماسي، برغم أنه الوحيد الناجع.

لكن القضاء على لبنان، ببنيته الضعيفة، قد يكون أسرع وأسهل من القضاء على «حزب الله»، تماماً كما مسحت إسرائيل غزة عن وجه الأرض، لكنها لا تجد مَن تُفاوِضه غير «حماس».

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

"
سوسن الأبطح مُحقّ أنطونيو غوتيريش، حين يقول إن «لبنان على حافة الهاوية، وقد يتحوّل إلى غزة ثانية»، لكنها فضيحةٌ مدوّية أن يُعلن أمين عام الأمم المتحدة عجزه المطلق من أعلى منصة دولية، وفشل منظمته المهابة في كبح مُجرِمي مجازر غزة المستمرة منذ سنة (ويبشّرون بسنة إضافية)، ويتنبّأ بمجازر جديدة قد تكون أكبر وأضخم. باعتراف إسرائيل
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة