الرئيسية/آراء/خطاب حميدتي تحت مبضع جراحي التحليل السياسي
آراء

خطاب حميدتي تحت مبضع جراحي التحليل السياسي

لقطة الشاشة 1446-04-06 في 7.49.47 م
📸لقطة الشاشة 1446-04-06 في 7.49.47 م
اليوم ميديا

فيصل محمد صالح

وجد الخطاب الذي وجّهه الجنرال حميدتي، مساء الأربعاء الماضي، اهتماماً كبيراً من جمهور الداخل والخارج والمراقبين والمحللين المحليين والإقليميين، بجانب أطراف الحرب والقوى المنخرطة فيها. ورغم دعوات تجاهل الخطاب التي ظهرت في جانب من معسكر الحرب، والادعاء بأنه لم يعد مهماً، فإن ردود الفعل عليه تثبت أنه تمتع بمشاهدة ومتابعة عاليتين.

بعد لحظات من نشر الخطاب على وسائل التواصل الاجتماعي، انهالت على المنصات والمنابر محاولات قراءة الخطاب وتحليله، بقدرات وإمكانيات مختلفة بالتأكيد؛ بعضها دخل إلى عملية التحليل ولديه موقف مسبق؛ مؤيد أو معارض، وأجندة معدّة مسبقاً. رغم ذلك فإن هناك نقطة اتفاق وإجماع بين الكثيرين؛ إما أنها مكتوبة بشكل مباشر وإما بشكل غير مباشر، وهي أن التساؤلات حول حياة وموت حميدتي قد توارت بعيداً أو اختفت تماماً. في المرات السابقة كانت السوشيال ميديا تنفجر بالجدال والنقاش حول حياته وموته، ويعود للناس الحديث عن الذكاء الاصطناعي والروبوتات. هذه المرة ابتدأ المعارضون والمخالفون والمؤيدون والمحايدون من نقطة أنه حميدتي، ثم سجلوا مواقفهم.

ولعل ما ساهم في ذلك أن حميدتي تخلى هذه المرة عن الخطابات الجامدة والمكتوبة باللغة الفصحى، والتي كان يجد صعوبة في قراءتها، وفضّل الرجل الخروج عن ذلك والحديث بطريقته البسيطة غير المرتبة والمرتبكة أحياناً، فعرفه السودانيون وقالوا إنه هو بشحمه ولحمه.

اختلف الناس حول تلخيص الخطاب ومغزاه، وحاول البعض القول إنه إعلان بالهزيمة والاستسلام، ودليل على ضعف وتراجع قدرات «قوات الدعم السريع»، والحقيقة أنه واحد من أخطر الخطابات منذ بداية الحرب، بغض النظر عن التقييمات المختلفة لموقف «الدعم السريع» على الأرض.

الرجل أقر بالهزيمة في منطقة «جبل موية»، وهي قد تبدو مجموعة قرى صغيرة، لكنها نقطة تلاقي طرق ذات أهمية استراتيجية، لكنه انطلق من ذلك لمرحلة جديدة في إعلان المواقف، فقد تبنى خطاباً قبلياً وجهوياً غير معهود، أو كان يتجنبه من قبل، ثم وجّه بعض الاتهامات لأفراد بالاسم من الحركة الإسلامية والقيادة العسكرية، وعبر عن غضب شديد قد ينعكس في مغامرات عسكرية خلال الأيام المقبلة، ثم خرج من الحذر الذي كان يغلف مواقفه من بعض القوى الإقليمية والدولية فوجّه اتهامات لمصر بالمشاركة في الحرب ضده كما انتقد بعض القوى الإقليمية والدولية.

المؤكد أنه ليس خطاب استسلام وإعلان الهزيمة، ربما تكون تلك رغبة البعض، لكن الاتكال على الرغائبية لن يقود للقراءة الصحيحة، وربما تعقب الخطاب عملياتٌ عسكرية كبيرة، وحتى انتحارية تزيد من تعقيد الأوضاع على الأرض ومن معاناة السكان المدنيين. كما أن عملية التجييش القبلي والإثني ستزداد وتيرتها بدرجة تزيد من خطورة الأوضاع وتؤدي لانقسام مجتمعي أكبر يكون مقدمة للتقسيم السياسي أو الإداري، خاصة مع غياب أي إشارة للتفاوض والسلام.

واتهام حميدتي مصر بالمشاركة في الحرب عبر سلاح الطيران المصري، يمثل نقطة تحول في علاقات «الدعم السريع» الإقليمية والدولية. لدى حميدتي تحفظات على الدور المصري الذي ظل داعماً للبرهان طوال الفترة الانتقالية، لكنه لم يرغب في الدخول في صراع مباشر، وربما ليس قادراً على ذلك. وحتى بداية الحرب فقد ارتبطت بوجود القوات المصرية في قاعدة مروي العسكرية، وهي قصة معروفة انتهت بأسر الجنود المصريين مع بداية الحرب، ثم تسليمهم لبلادهم.

وظل حميدتي يشكو في اللقاءات الخاصة من الدعم المصري لبرهان، لكنه احتفظ في الوقت نفسه بشعرة معاوية مع مصر، ولم ينتقدها علناً إلا هذه المرة. لكن حميدتي يتحدث الآن عن مشاركة في القتال بطلعات سلاح الجو المصري، وهو أمر يحتاج لأدلة وبراهين لم يقدمها حتى الآن.

نحن أمام مرحلة جديدة سيصاحبها تصعيد عسكري من الجانبين، وخفوت صوت الدعوات للسلام والتفاوض، وارتباك في العلاقات مع الأطراف الإقليمية والدولية، وربما تغيير في التحالفات مع ظهور محور إقليمي جديد «مصر – إريتريا – الصومال». وإذا جمعنا ذلك مع انزواء الدور الأميركي مع الدخول في المرحلة النهائية للانتخابات الرئاسية، وانشغال المجتمع الدولي بالأحداث في لبنان وغزة، فإن السودان سيواجه مرحلة مخيفة وسط تجاهل إعلامي كبير. وإن لم تتحرك الكتلة المناهضة للحرب باستراتيجية وشعارات جديدة وعمل على الأرض وحراك إقليمي ودولي كبير، فلن يفعل ذلك طرف آخر، وسيصبح السودان غنيمة لأحد طرفي الحرب.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
فيصل محمد صالح وجد الخطاب الذي وجّهه الجنرال حميدتي، مساء الأربعاء الماضي، اهتماماً كبيراً من جمهور الداخل والخارج والمراقبين والمحللين المحليين والإقليميين، بجانب أطراف الحرب والقوى المنخرطة فيها. ورغم دعوات تجاهل الخطاب التي ظهرت في جانب من معسكر الحرب، والادعاء بأنه لم يعد مهماً، فإن ردود الفعل عليه تثبت أنه تمتع بمشاهدة ومتابعة عاليتين. بعد
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة