الرئيسية/آراء/بيت من زجاج
آراء

بيت من زجاج

لقطة الشاشة 1446-05-12 في 9.35.37 م
📸لقطة الشاشة 1446-05-12 في 9.35.37 م
اليوم ميديا

سمير عطا الله

ليس من لا يعرف في عالم الآداب جورج أورويل ورائعتَيه «مزرعة الحيوان» و«1984». من خلال السرد الرمزي، يصور عالماً سوف يعيش في ظل الرقيب والديكتاتور، متخذاً من ستالين وموسوليني نموذجاً. قلائل يعرفون أن أورويل لم يكن الرائد في هذا النوع من التخيل الواقعي. هو، والبريطاني الآخر، هـ. ج. ويلز، وسواهما، قلدا، إلى حد بعيد، السوفياتي يفغيني زامياتين، الذي أصدر عام 1920 رواية «نحن».

لم يكن التلفزيون قد عُرف بعد. ولذلك، تخيّل زامياتين «الدولة الواحدة» مبنية كلها من زجاج، بحيث يمكن مراقبة جميع السكان، في كل حركة يأتون بها، إلا ساعة واحدة في اليوم، يمكن للمواطن فيها أن يخلو بنفسه.

بعد التلفزيون وكاميرات المراقبة في كل مكان، أصبح العالم أجمع يعيش في الدولة التي تخيلها زامياتين، خصوصاً المشاهير. اللقاء بين الرئيسين الأميركيين، بايدن وترمب، كان في بيت من زجاج. الرئيس المقيم يستقبل الضيف بسيل من الابتسامات المرسومة، والرئيس الآتي يبذل جهداً فائقاً في تصنع الاكْفِهْرَار لكيلا تنزلق منه ابتسامة، أو طرف ابتسامة، للرجل الذي أخّر وصوله إلى البيت الأبيض أربع سنوات!

أعتذر من جنابكم في فتح قوسين كي أعود إلى مصطلح «لغة الجسد» المنقول عن خطأ في الأساس. الجسد لا لغة له. الذي ينفعل، ويغضب، ويفرح، ويدمع، ويحمرّ، ويصفرّ، وينفرج، ويضيق، ويتبرم، هو الوجه من الجسد. أحياناً تساعده حركة من ذراع، أو شيء من هذا، لكن «النطق الصامت» أو «اللغة الإضافية» هما تعابير الوجوه. وأرجو ألا يصحّح لي أحد بـ: «ماذا عن لغة البكم؟»، رعاهم الله، فهي ليست لغة مولودة، بل إشارات متعارف عليها. والإشارات شيء والأمائر شيء. فتلك لغة يتعلمها البعض، وتلك لغة يتحدثها الجميع.

في أي حال، وقد قلنا قولنا هذا، ووضعنا المسألة بين يدي أعرافكم ومعارفكم وجليل عدالتكم، وبهذا الالتماس، نلفت انتباهكم أيضاً إلى أن عالمنا سوف يعيش السنوات الأربع المقبلة مع أكثر الوجوه بلاغة وتعبيراً: إذا حكى وإذا اكتفى. ولن يكتفي.

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

"
سمير عطا الله ليس من لا يعرف في عالم الآداب جورج أورويل ورائعتَيه «مزرعة الحيوان» و«1984». من خلال السرد الرمزي، يصور عالماً سوف يعيش في ظل الرقيب والديكتاتور، متخذاً من ستالين وموسوليني نموذجاً. قلائل يعرفون أن أورويل لم يكن الرائد في هذا النوع من التخيل الواقعي. هو، والبريطاني الآخر، هـ. ج. ويلز، وسواهما، قلدا، إلى
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة