الرئيسية/آراء/ترمب ومشروع تغيير المنطقة
آراء

ترمب ومشروع تغيير المنطقة

لقطة الشاشة 1446-05-04 في 8.43.08 ص
📸لقطة الشاشة 1446-05-04 في 8.43.08 ص
اليوم ميديا

عبد الرحمن الراشد

واحدٌ من أكبرِ الأخطاءِ في التَّعاملِ مع الرئيسِ المنتخَبِ دونالد ترمب هو التَّقليلُ من قدراتِه، كونُه لا يتحدَّثُ لغةَ الأكاديميين، ولا يستخدمُ عباراتِ المحلّلين، ولا تُعرفُ عنه لباقةُ السياسيين ومداورتُهم، لا يجعلُه أقلَّ فهماً ودرايةً بالقضايَا المَطروحَة.

هزأَ منه خصومُه كثيراً سواء كانوا المحليينَ، ضمنَ المماحكاتِ الانتخابيةِ والحزبية، أو المعلقِينَ الأجانب لتشويهِ سمعتِه. ترمب ليسَ مثل بيل كلينتون خريجَ ييل، ولا مثلَ بايدن بخبرةِ خمسين عاماً في دهاليزِ الكونغرس وعالَمِ السياسة، إنَّما ما فعلَه في الأربعِ سنواتٍ التي حكمَ فيها الولاياتِ المتحدةَ كانَ أكثرَ نجاحاً في التَّعاطِي مع الأحداث. عندمَا هدَّدَ بإلغاءِ الاتفاقِ الشاملِ مع إيرانَ أو تحسينِه رفضُوا وقيلَ له إنَّه اتفاقٌ دوليٌّ لا يستطيعُ الانسحابَ منه. ألغاهُ بالكَاملِ وغيَّرَ مسارَ تاريخِ المِنطقة، وأنقذَها من أخطارِ ذلك الاتفاقِ السيئ.

قد لَا يكونُ ترمب مثقفاً مثل كيسنجر، ولا متواضعاً مثل كارتر، وكونُه جاءَ من السُّوقِ والاستثمارِ والعقار، يرجِّحُ كِفَتَّه في بلدٍ رأسماليّ كالولاياتِ المتحدة يقومُ على العملِ الجادِّ والتَّنافسِ من أجلِ الكسبِ والنجاح.

بَرهنَ ترمب على قدراتِه القياديةِ وكانَ أبرزَها نجاحُه في الانتخاباتِ الرئاسيةِ الأولى، وكرَّرها في الثانية، نجاحُه يعزى له شخصياً وليسَ لشركاتِ العلاقاتِ العامَّةِ أو لحزبِه الجمهوري. بخلافِ الحالِ مع معظمِ الرؤساءِ الأميركيين السَّابقين الذين يحظوْنَ بدعمِ أحزابهم وقادةِ حملاتِهم. انتصارُه في هذه الانتخاباتِ حدثٌ فريدٌ وهو شهادةٌ له على شعبيتِه وقدرتِه على التأثيرِ، ممَّا يجعلُه قادراً على التغيير، وقيادةِ بلدٍ كبيرٍ ومهمٍ مثل الولايات المتحدة، واتخاذِ قراراتٍ لا يجرؤ كثيرون على اتخاذِها.

سيخوضُ معاركَ داخليةً متعددةً كما وعدَ ناخبيه بالتغيير في ملفاتِ الهجرةِ والاقتصادِ والتعليم، وسيثيرُ الكثيرَ من الزوابع في سنواتِ حكمِه الأربع التي على وشكِ أن تبدأ.

ماذَا عن الشرق الأوسط؟ دعونا نستذكرْ ماذا فعلَ فورَ دخولِه البيتَ الأبيض رئيساً في عام 2017. قرَّر حينَها تخطّي البروتوكول، حيث كانت بريطانيا المحطةَ الأولى عرفاً، التي يبدأ منها كلُّ رئيسٍ أميركيّ جديدٍ رحلاتِه للعالم. ترمب قرَّر أن يبدأ من الرياض وليس لندن. وكانتِ السعوديةُ محطَّ هجومٍ عنيفٍ من سياسيينَ أميركيين، وسبقَ أن عَدّ سلفُه الرئيسُ أوباما العلاقةَ بالمملكة من ماضِي العلاقات الأميركية.

ترمب بدوره كانَ قد خاضَ انتخاباتِه وسطَ عواصفَ، وأُلصقت به تهمُ العنصريةِ ضد العربِ وضد المسلمين، وفاجأ الجميعَ بقبولِه دعوةَ السعوديةِ واختارها محطتَه الأولى. رحلتُه كانت رسالةً للسياسيين المعادينَ في واشنطن، ورسالةً لدولِ المنطقة. وسارتِ العلاقةُ في الأربعِ سنواتٍ كمَا أرادَها ترمب، وعندما خلفَه بايدن تراجعَ عن وعودِه وسارَ لاحقاً على طريق ترمب.

عندمَا يقولُ الرئيسُ المنتخب إنَّه قادرٌ على حلّ أزماتٍ خطيرة مثل أوكرانيا، وحربي غزةَ ولبنان، وغيرِها من القضايا التي وعدَ بالتعامل معها خلالَ حملتِه الانتخابية، نتوقَّعُ أنَّه يعنيها. لديه أغلبيةٌ في مجلسي الكونغرس، وقد باشرَ اتصالاتِه ولم ينتظر حتى يبدأ وظيفتَه رسمياً في العشرينَ من يناير (كانون الثاني) المقبل.

النقطةُ الأخيرةُ التي تستحقُّ الإشارة، هي: ليس كيفَ يرى ترمب العالمَ، بل كيف يرَى العالمُ ترمب. الصورةُ التي رُسِّختْ دولياً أنَّه ذو شخصيةٍ قوية، سريعُ التَّحرك، ويفعلُ ما يقول. هذه الصُّورةُ تجعلُ خصومَ الولاياتِ المتحدة يفكّرون مرتين قبل التَّورطِ معه في قضايا كبرى، وأكثرُهم سيفضّلُ إبرامَ اتفاقاتٍ وصفقاتٍ سياسيةٍ معه، ما دام أنَّه يملك الإرادةَ ولديه الأدواتُ مثل مجلسَيْ الكونغرس.

أعتقدُ أنَّه ينوي أن يغيِّرَ مِنطقةَ الشرقِ الأوسط، وسنشهدُ ذلك من خلالِ الاتفاقاتِ والعقوباتِ وليس عبرَ الحروب. فعلاً، كما يردّدُ، حَكمَ أربعَ سنواتٍ ولم يخضْ حرباً واحدة، لكنَّه كانَ صارماً في تطبيقِ العقوبات؛ لهذَا على المِنطقةِ أن تستعدَّ وتستوعبَ التَّغييراتِ المقبلة.

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

"
عبد الرحمن الراشد واحدٌ من أكبرِ الأخطاءِ في التَّعاملِ مع الرئيسِ المنتخَبِ دونالد ترمب هو التَّقليلُ من قدراتِه، كونُه لا يتحدَّثُ لغةَ الأكاديميين، ولا يستخدمُ عباراتِ المحلّلين، ولا تُعرفُ عنه لباقةُ السياسيين ومداورتُهم، لا يجعلُه أقلَّ فهماً ودرايةً بالقضايَا المَطروحَة. هزأَ منه خصومُه كثيراً سواء كانوا المحليينَ، ضمنَ المماحكاتِ الانتخابيةِ والحزبية، أو المعلقِينَ الأجانب لتشويهِ
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة