الرئيسية/آراء/عن مصير لبنان
آراء

عن مصير لبنان

792985
📸مشهد مصور يوثق التطورات الإخبارية المتعلقة بقسم آراء
اليوم ميديا / وكالات

أنطوان الدويهي

ثَمة مفاهيم، معظمها غير معروف وغير شائع، لا مكان لها في الصخب الإعلامي وحواراته الجدلية، لا بد من تبينها لإضاءة الطريق وإتاحة الرؤية حول مصير لبنان، أهمها:

ضرورة التمييز، أولاً، في رؤيتنا للواقع، بين نوعين من المجتمعات المعاصرة، «مجتمع الأفراد» السائد في العالم الغربي والعالم الصناعي عموماً، و«مجتمع الجماعات» السائد في عالمنا المشرقي. هما مجتمعان مختلفان بعمق، لا تصحّ فيهما المفاهيم نفسها، ولا تنطبق عليهما التوصيفات والحلول عينها. لكن على الرغم من هذا المعطى الأساسي، فإن تداخل المفاهيم والحلول وتخبطها وعبثيتها، ما زالت هي المهيمنة على الثقافة الإعلامية. من يدرك أن جميع الأنظمة التي توالت في المشرق، وأيضاً في المغرب، العربيين، طوال مائة عام بعد سقوط السلطنة العثمانية، لم تستطع تحويل جماعاتها إلى أفراد مواطنين؟ أكثر من ذلك، على مدى مائة عام اشتد تماسك هذه الجماعات الطائفية والمذهبية والعشائرية والإثنية والمناطقية. فكيف يمكن فهم الواقع الراهن بمعزل عن ذلك؟

ثم، ثانياً، إدراك طبيعة المشروع اللبناني في بيئته وفي المنطقة، للتمكن من رؤية الحاضر واستقراء الآتي. فهذا المشروع لا يقوم على القوة العسكرية أو الأمنية أو الديموغرافية، بل على القوة الحضارية، وعلى ثقافة الحرية، والانفتاح على العصر، والحداثة، والازدهار الاقتصادي، والرهان على نوعية الحياة البشرية. وهو مشروع يستمد متانته واستمراريته في الزمان من الخصائص الجغرافية – التاريخية لجبل لبنان، بوصفه حصناً قديماً للحريات وملجأ للجماعات المعتصمة به. والمشروع اللبناني المرتكز على هذا الجبل، استطاع التفاعل مع الحداثة في وقت جد مبكر، مع بدايات النهضة الأوروبية التي أنهت القرون الوسطى وأطلقت الأزمنة الحديثة. فقد انفتح مجتمع جبل لبنان على الحداثة قبل قرنين من سائر مجتمعات المشرق، حين تكرّس تواصله مع فلورنسا وروما وباريس منذ أواخر القرن السادس عشر، بينما لم تصل رياح الحداثة إلى المشرق إلا مع حملة بونابرت على مصر عام 1798 وإدراك محمد علي باشا أهميتها. فلا عجب في أن يكون للمشروع اللبناني دوره الرائد في تحقيق الإنجازات المعرفية والجامعية والتربوية والفكرية واللغوية والأدبية والإعلامية والطباعية والقضائية والاقتصادية والاستشفائية والصحية العامة والسياحية، وقيم الحرية والتسامح وقبول الآخر وطرق الحياة الجديدة، التي عرفها المشرق على مدى 114 عاماً من ظهور الكيان اللبناني الأول عام 1861 إلى عام 1975.

وثالثاً، لتبيُّن مصير لبنان الآن، يتوجب الوعي بالحركتين المتفاعلتين فوق أرضه على الدوام، واليوم أيضاً: المشروع اللبناني التائق إلى التحرر من قبضة المحيط السلطوي نحو أفق مختلف، والمشروع الإقليمي في لبنان العامل على إعادته إلى قبضة المحيط. هذا الصراع هو أحد أهم المسالك لتبين معنى التاريخ اللبناني. المشروع اللبناني يبقى هو نفسه، والمشروع الإقليمي في لبنان يرتدي أشكالاً مختلفة باختلاف المراحل. كان هو على مدى زمني طويل مشروع الوحدة العثمانية، ثم حلّ محلّه بعد انهيار السلطنة مشروع الوحدة السورية، في صيغته الفيصلية الأولى، وفي صيغته البعثية، وفي صيغته السعادية، وقد حلّ معه وبعده مشروع الوحدة القومية العربية، خصوصاً في طبعته الناصرية.

رابعاً وأخيراً، لمعرفة إلى أين لبنان، لا بد من الإدراك أيضاً أن التحول هو سمة الواقع الدائمة، وأن الحاضر؛ كل حاضر، أكثر هشاشة مما يبدو عليه. ولا يكون التحول إلا بتلاقي العوامل الداخلية والعوامل الخارجية التي تحدثه في ظرف محدّد. يملك المشروع اللبناني عوامل داخلية مهمة ومؤثرة تتمثل في رسوخه واستمراريته وإنجازاته. وإذا كانت صورته الثقافية، وانتشار مهاجريه الواسع، يدعمانه في الخارج، فلم يكن لهذا المشروع أي تأثير يُذكَر على العوامل الخارجية التي أنقذته في كل مرة وهو في الرمق الأخير. كانت حركة التاريخ تصب من تلقائها في مصلحته. أي دور كان له في حملة نابليون الثالث على الشرق عام 1861؟ وأي دور كان له في انتصار فرنسا وبريطانيا على ألمانيا والنمسا وتركيا في الحرب الكونية الأولى عام 1918؟ وأي دور مؤثر كان له في الانقلاب الأميركي والغربي على النظام السوري عام 2005؟ في كل مرة كان حاضراً وحيّاً بوصفه عاملاً داخلياً فقط، من دون تأثير يذكر على العوامل الخارجية الذاهبة في اتجاهه. هل يتكرر ذلك هذه المرة أيضاً عام 2024، بنتيجة الحرب الدائرة بين الكيان الصهيوني وأميركا والغرب من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي ليس له تأثير فيها؟

نقلا عن الشرق الأوسط

"
أنطوان الدويهي ثَمة مفاهيم، معظمها غير معروف وغير شائع، لا مكان لها في الصخب الإعلامي وحواراته الجدلية، لا بد من تبينها لإضاءة الطريق وإتاحة الرؤية حول مصير لبنان، أهمها: ضرورة التمييز، أولاً، في رؤيتنا للواقع، بين نوعين من المجتمعات المعاصرة، «مجتمع الأفراد» السائد في العالم الغربي والعالم الصناعي عموماً، و«مجتمع الجماعات» السائد في عالمنا المشرقي.
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة