الرئيسية/آراء/لماذا هذا الاتفاق مختلف؟
آراء

لماذا هذا الاتفاق مختلف؟

لقطة الشاشة 1446-05-24 في 6.24.32 م
📸لقطة الشاشة 1446-05-24 في 6.24.32 م
اليوم ميديا

عبد الرحمن الراشد

صحيح أن اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين إسرائيل ولبنان نسخة مكررة من الاتفاقات التي سبقته على مدى أربعين عاماً، وفشلت جميعها في منع نشوب الحرب مرات لاحقة إنما هذه الحرب، وهذا الاتفاق، يختلفان عمَّا سبقهما، وقد نشهد تطبيقاته بدءاً من العام المقبل. وفي رأيي سيغيِّر مفهوم الصراع عبر لبنان.

السؤال المهم: ما الجديد والمختلف في الاتفاق؟

لا ليست تنازلات إيران ولا إضعاف «حزب الله»، كما يخمِّن معظم التقديرات، بل إن العامل المتغير هذه المرة هو إسرائيل نفسها.

هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي غيَّر مفهوم الردع الإسرائيلي إلى منع وجود خطر محتمل في محيطها الجغرافي المباشر. عدّت إسرائيل ذلك الهجوم خطراً وجودياً استوجب إعادة النظر في التعايش الحدودي مع الجماعات المعادية لها، ولهذا قررت القضاء على «حماس» والقضاء على قوة «حزب الله» وعدم السماح للتنظيمين بتهديد وجود الدولة اليهودية.

من ملامح الحرب الحالية؛ حجمها ونوعها وتصريحات القادة الاستراتيجيين، يتبين أن إسرائيل غيَّرت سياستها، من جزِّ العشب إلى اقتلاعه. كانت في السابق تترك قدرات «حزب الله» و«حماس» تنمو ثم تخوض حرباً لتدميرها. وهكذا دارت جولات من المواجهات الماضية اختُتمت باتفاقات هدنات مؤقتة. إسرائيل في هذه المواجهة مضت شوطاً كبيراً في تحقيق هدفيها. «حماس» عملياً انتهت وقد تعود مدنياً، إنْ عادت. وفي ثمانية أسابيع قضت على قيادات «حزب الله» ومعظم ترسانته. لكن لا يزال الحزب واقفاً، وإن كان يعرج على رِجل واحدة، وسيسعى لإعادة بناء قدراته المدمَّرة وتأهيل كوادره خلفاً للتي قضي عليها، كما فعل في الحروب الماضية.

الجديد، إسرائيل تقول إنها عازمة على اقتلاع «حزب الله»، والاتفاق لا يمنعها من ذلك. فهو يمنحها حق التدخل والتجوال في سماء لبنان. ويتضمن شروطاً صريحة بشأن مراقبة المعابر ومنع التسلح وإلزام الحكومة بتفكيك ما تبقى للحزب من مصانع ومخازن للأسلحة. وفوق هذا وافق الحزب، من خلال الحكومة اللبنانية، على أن يشرف الأميركيون على تنفيذ الالتزامات.

هذا الاتفاق يختلف في أن له أسناناً. سيتيح استهداف عمليات التمويل الإيرانية وإعادة التسلح، وسيبرر للمطاردة في الممر الإيراني عبر سوريا والعراق.

حجة إسرائيل أن الدولة اللبنانية، التي كانت تكلَّف بهذه المهام سابقاً، أضعف من أن تقتلع الحزب ذا الجذور العميقة، والمنتشر في أنحاء البلاد مدنياً وعسكرياً. فهو موجود في الجيش والأمن والمجالس البلدية والمصارف والمطار والحكومة والبرلمان. ونتذكر كيف أجبر «حزب الله» القوى اللبنانية على تعديل اتفاق الطائف باختراع آلية الثُّلث المعطِّل لصالحه، فأصبح الثلث أهم من الثلثين. وبذلك صارت له الكلمة الأخيرة في اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وقائد الجيش!

هل حقاً بمقدور إسرائيل القضاء على قدرات «حزب الله» في ظل صراع إقليمي تنخرط فيه أيضاً قوى كبرى بشكل غير مباشر؟

برهنت إسرائيل على أنها قوة عسكرية إقليمية مدمِّرة قادرة على خوض حروب طويلة ومتعددة وكسبها. وقد سبق لها أن قضت على منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وحجَّمت سوريا فيه، وهذه المرة فاجأت «حزب الله» والقوى الداعمة له بتفوّقها الحاسم. من الصعب على الحزب أن يعود لاعباً إقليمياً يهدد إسرائيل في ظل ميزان القوى الحالي. لكنَّ الطريق إلى تجريد «حزب الله» ليس فقط بنزع سلاحه بل أيضاً بنزع سطوته التي ستتطلب جولات أخرى.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
عبد الرحمن الراشد صحيح أن اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين إسرائيل ولبنان نسخة مكررة من الاتفاقات التي سبقته على مدى أربعين عاماً، وفشلت جميعها في منع نشوب الحرب مرات لاحقة إنما هذه الحرب، وهذا الاتفاق، يختلفان عمَّا سبقهما، وقد نشهد تطبيقاته بدءاً من العام المقبل. وفي رأيي سيغيِّر مفهوم الصراع عبر لبنان. السؤال المهم:
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة