الرئيسية/آراء/ضاقت ثم ضاقت «تاني»!
آراء

ضاقت ثم ضاقت «تاني»!

thumbs_b_c_43f8d04f74f79c90bc34a47b91900f78
📸thumbs_b_c_43f8d04f74f79c90bc34a47b91900f78
اليوم ميديا

فيصل محمد صالح

للفنان والكوميدي السوداني الراحل الفاضل سعيد عبارة شهيرة رددها في إحدى مسرحياته، وصار الناس يتداولونها للإشارة إلى سوء الأوضاع، فقد كان ينطق جملة «ضاقت، ولما استحكمت حلقاتها» ويترك الجمهور يكمل الجملة المعتادة: «فرجت، وكنت أظنها لا تفرج» فيفاجئهم بإشارة نفي من يده، ثم يكمل الجملة بطريقته قائلاً: «ضاقت تاني».

ويبدو أن الأوضاع في السودان لا يتطابق معها إلا جملة الفنان الفاضل سعيد، فكلما يبدو أن هناك إشارة إيجابية قد تقود لانفراجة في الأوضاع المأساوية، تعود الأوضاع لتضيق مرة أخرى، وفي بعض الأحيان بصورة أسوأ مما كانت.

كانت عملية طرح مشروع القرار البريطاني حول السودان قبل أسبوعين في مجلس الأمن تبدو وكأنها تمضي بسلاسة، وقالت الأخبار الواردة من غرف المشاورات في نيويورك إن هناك ملاحظات من الحكومة السودانية التي شاركت في المشاورات، لكن لا تصل لمرحلة الرفض الكامل. هكذا بدا وكأنه للمرة الأولى سيصدر قرار من مجلس الأمن بإجماع أعضائه، ثم جرت عملية التصويت، فإذا بالفيتو الروسي يُسقط مشروع القرار رغم حصوله على موافقة كل الأعضاء الأربعة عشر الباقين.

هناك تفسيرات كثيرة لقرار الفيتو الروسي، أكثرها قوة لا يتعلق بالسودان، بل بتزامن ذلك مع نجاح بريطانيا في إقناع واشنطن بالسماح لأوكرانيا باستخدام الصواريخ البريطانية «ستورم شادو»، والصواريخ الأميركية البعيدة المدى في مهاجمة الأراضي الروسية، للمرة الأولى. ويبدو أن غضب موسكو شمل أي تحرك للحكومة البريطانية، وصادف ذلك مشروع القرار البريطاني حول السودان، فراح ضحية الغضب الروسي.

في هذه الفترة عينها، كان الظن أن هناك حالة إرهاق عام لطرفَي الحرب، مع تقدم لصالح الجيش في بعض المحاور بما يعيد التوازن بشكل قد يسمح بإعادة طرح الحل التفاوضي. وتزامن ذلك مع إشارة موظف المخابرات الأميركية ومجلس الأمن القومي السابق كاميرون هيدسون – الذي زار بورتسودان والتقى البرهان – إلى أن الانطباع الذي خرج به هو أن الجيش راغب في الحوار والوصول لحل تفاوضي. لكن ظلت المُسيَّرات تمطر سماء مدينة عطبرة لأكثر من أسبوع، حيث تختلف التفسيرات في مصدرها: هل هي قوات «الدعم السريع» أم أن هناك معركة داخلية بين أجنحة الإسلاميين والجيش؟. ولو صح أحد التفسيرَين فإنه يشي بوجود تصعيد جديد في العمل العسكري، يتزامن مع كشف صحف عالمية عن وجود مقاتلين وخبراء عسكريين من كولومبيا في صف «قوات الدعم السريع»، بما يعني دخول الحرب مرحلة جديدة.

ويجري الفريق البرهان تعديلات وزارية في الحكومة، ويتوقع الناس أنها محاولة لتحسين أداء وتوجه الحكومة، فإذا بوزير الخارجية الجديد يطيح بكل هذه الآمال بتصريحَين ومقابلة تلفزيونية، حتى قال الناس «ليته سكت».

ولو بدأنا بآخر الأحداث، أهمها استعادة الجيش السيطرة على مدينة سنجة عاصمة ولاية سنار والمناطق المحيطة بها، بعد أشهر من وقوعها في يد «قوات الدعم السريع». واستبشر أهالي المدينة بالحدث، وبدأت قوافلهم تستعد للعودة إلى سنجة من أماكن النزوح المتعددة، إذ عاشوا أياماً صعبة في ظل وجود «قوات الدعم السريع» في المنطقة، واضطروا للنزوح.

إلا أن الأخبار والصور ومقاطع الفيديو التي ظهرت عن العمليات الانتقامية التي قامت بها مجموعات محسوبة على القوات المسلحة وكتائب العمل الخاص التي تسيطر عليها الميليشيات الحليفة، ضد مَن تسميهم «المتعاونين»، ألقت بظلال كئيبة على الحدث. إذ قامت تلك القوات بتنفيذ عمليات اعتقال وتعذيب لأعداد كبيرة من المواطنين تتهمهم بالتعاون مع «قوات الدعم السريع» في فترة وجودها بالمدينة، وهي الممارسة ذاتها التي تمت في كل منطقة استعادها الجيش، فحدث هذا في أم درمان القديمة، والحلفايا، ثم في الدندر، وأخيراً في سنجة.

لا تجري بالتأكيد تحقيقات وتحريات، ولا ينتهي الأمر بمحاكمات وشهود ودفاع، إنما تظهر قوائم مَن يسمون «المتعاونين» في يد أفراد من الجيش وحلفائه، ثم تبدأ عملية مطاردتهم وقبضتهم، ويتم التعامل معهم بالضرب والتعذيب والمعاملة المهينة، وينتهي الأمر باختفائهم من الوجود. وأسوأ ما في الأمر هو أن الاتهام يقوم في كثير من الحالات على الأصل العرقي والاثني، إذ تكفي ملامحك ولهجتك في الحديث لتصنيفك عدواً ومتعاوناً وخائناً، وغيرها من العبارات.

نعم يبدو أنها كلما ضاقت ثم ظهرت بوادر انفراج، تبخر الأمل و«ضاقت تاني»، لكن لا يزال السودانيون ينتظرون الفرج، وما زال الأمل موجوداً لعل وعسى.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
فيصل محمد صالح للفنان والكوميدي السوداني الراحل الفاضل سعيد عبارة شهيرة رددها في إحدى مسرحياته، وصار الناس يتداولونها للإشارة إلى سوء الأوضاع، فقد كان ينطق جملة «ضاقت، ولما استحكمت حلقاتها» ويترك الجمهور يكمل الجملة المعتادة: «فرجت، وكنت أظنها لا تفرج» فيفاجئهم بإشارة نفي من يده، ثم يكمل الجملة بطريقته قائلاً: «ضاقت تاني». ويبدو أن الأوضاع
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة