الرئيسية/آراء/أزمة ليبيا باقية وتتمدد
آراء

أزمة ليبيا باقية وتتمدد

لقطة الشاشة 2024-08-15 في 2.34.46 ص
📸لقطة الشاشة 2024-08-15 في 2.34.46 ص
اليوم ميديا

د. جبريل العبيدي

الأزمة الليبية لا تزال في حالة انتظار طويل لصعود الدخان الأبيض دليلاً للاتفاق، وأظنه ما زال بعيداً، وهي التي أصبحت بين مد وجزر ومبادرات وحوارات، والإعلان عن تسويات قريبة، تكاد ترجم بالغيب أن الأزمة الليبية المعتقة، والقديمة المتجددة والمستعصية في ظل تسويات وتفاهمات واتفاقات هشة، ثم يقابلها إعلان متبادل عن التنكر لها.

رغم مراحل الاتفاق على تقاسم المناصب السيادية ومكانها بين الأقاليم التاريخية الثلاثة لليبيا (برقة وطرابلس وفزان) محور الأزمة الليبية (أزمة تهميش المناطق)، فإن إنتاج حل للأزمة قابل للتطبيق دون انتكاسة لا يزال بعيد المنال.

أزمة ليبيا في الحقيقة هي أزمة أمنية وفوضى سلاح، وليست أزمة شخوص أو تسمية مناصب، وبالتالي أي حوارات حول تسميات شخوص والاختلاف على الأسماء، دون مناقشة صلب الأزمة الأمني، لا يخرج عن محاولة كسب الوقت بتشكيل مجلس رئاسي، وحكومة لا تختلف عن سابقتها تنال القبول من الدول المتدخلة في الشأن الليبي، وهو عبث جديد بالأزمة الليبية لإطالة عمرها، وستكون حكومة عملاء وبيادق لمن جاء بها.

الاتفاقات المبرمة باتت في «مهب الريح»، لكون المعلنين والداعمين لها هم أول من يتنكر لها، بل ويعملون على إجهاضها قبل ولادتها، فلا يمكن حل أزمة الميليشيات على غرار نسخة «حزب الله» اللبناني عقب الحرب الأهلية، فالنتيجة واضحة، كون «حزب الله» كان أنموذجاً سيئاً لوجود سلاح ميليشياوي خارج سلطة الدولة.

فالأزمة الليبية لا تحل إلا بتفكيك الميليشيات – وإن كان هناك دمج لبعض أفرادها فليكن أفراداً وليس جماعات – وجمع السلاح واحتكاره لدى الدولة وإخراج المرتزقة، ولا بد من معالجة ملف الهجرة، بدل رمي الأخطاء على ليبيا وهي دولة عبور وليست إنتاجاً للهجرة، والتوقف عن استخدام ليبيا معسكراً لتفريخ الإرهابيين للعالم، وغير ذلك هو إطالة لعمر الأزمة وتدوير للنفايات السياسية، وإلا فلن نشهد تصاعد الدخان الأبيض.

بينما موقف دول الجوار الليبي مختلف ومتنوع تنوع رؤيتها للأزمة الليبية، فالحكومة الجزائرية رؤيتها للحل في ليبيا لا تتناغم كثيراً مع الرؤية المصرية، وكثيراً ما ظهرت في حالة تنافس مع الجانب المصري بخصوص الملف الليبي، فالجزائر ترى أنه لا بد من مشاركة أنصار النظام السابق في أي تسوية بليبيا، كما أنها لم تكن متحمسة كثيراً لاتفاق الصخيرات المغربية بشأن الأزمة الليبية، ولم تلعب فيه دوراً فاعلاً، بينما الحكومة المصرية تتعاطى بتوازن مع الطرفين دون انحياز، وهذا ما دأبت عليه القاهرة في رؤيتها للحل بليبيا، في حين الحكومة التونسية في زمن الباجي قائد السبسي كانت تتأخر عن غيرها في موقفها من الأزمة، خصوصاً في تسلل بعض المقاتلين إلى ليبيا، الأمر الذي تسبب لها فيما بعد بعودتهم وعودة نشاطهم الإرهابي على الأراضي التونسية، مما شكل خطراً لاحقاً على الأمن القومي التونسي نفسه، الذي تتشارك فيه مع ليبيا جغرافيا حدودية ومجتمعية، وسوقاً اقتصادية مهمة تؤثر في سوق العمل والاقتصاد التونسي، ما دفع الحكومة إلى تغيير موقفها السابق الذي كان ينحصر في النأي بالنفس عن مشاكل الجار الليبي، وبدأت أخيراً تتعاطى بشكل مختلف تتقدم فيه خطوات نحو الجار الليبي والمساهمة في الحل.

صحيح أن جزءاً كبيراً من الأزمة في ليبيا سببه النخب الليبية، التي وصفتها المبعوثة الدولية السابقة ستيفاني وليامز بالقول: «الفشل الحقيقي هو فشل ليبي بامتياز ويخص النخبة السياسية، التي لا تريد الانتخابات لسبب رئيس واحد هو أنها ستخسر امتيازاتها»، لكن هذا لا يعني أن الفشل السياسي هو ليبي بامتياز أو ليبي خالص، فالحقيقة أن المتدخلين في الشأن الليبي يتحملون الجزء الأكبر، بالمشاركة مع تأرجح دول الجوار الليبي بين مُسهم في الحل وآخر معرقل أو متقوقع على نفسه، متناسياً أن الأزمة في ليبيا لها انعكاسها على دول الجوار التي ستكتوي بنيرانها في حالة اشتعالها.

ليبيا اليوم بحكومتين وبرلمانيين، وبالتالي هي مهيأة للانقسام الجغرافي بعد الانقسام السياسي، وهذا ما يسعى له بعض الدول (المنتفعة)، حتى ينفرد بليبيا منقسمة لسهولة السيطرة على ثرواتها، خصوصاً أن ليبيا محاطة بمحيط جغرافي كبير، سيكون متأهباً لترسيم الحدود واجتزاء أراضٍ ليبية خصبة غنية بالماء والنفط لمجرد إعلان انقسام ليبيا رسمياً لدولتين أو ثلاث، وهنا مكمن الكارثة التي لا يدرك كنهها وكواليسها من يسعون إلى تقسيم ليبيا منذ زمن بيفن سفورزا، مروراً بمشروع غوركا، وجميعهم أصحاب مشروعات لتقسيم ليبيا، أفشلها الوطنيون في ليبيا، ولكنها مشروعات ما تلبث أن تنتهي، حتى يعاد نفث النار في رمادها لإشعال نيران تقسيم ليبيا، كأن ليبيا تزعجهم في وجودها دولة موحدة بسبب العرق واللون والدين والجغرافيا، وهي عوامل توحيد لا تجدها في بلدان موحدة بالإكراه لا تجمعها لغة أو دين أو عرق أو جغرافيا، ولكن لا أحد يسعى إلى تقسيمها.

رغم أن الأزمة الليبية باقية وتتمدد فإن هناك تفاؤلاً بانفراجها وإن طال الزمن.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
د. جبريل العبيدي الأزمة الليبية لا تزال في حالة انتظار طويل لصعود الدخان الأبيض دليلاً للاتفاق، وأظنه ما زال بعيداً، وهي التي أصبحت بين مد وجزر ومبادرات وحوارات، والإعلان عن تسويات قريبة، تكاد ترجم بالغيب أن الأزمة الليبية المعتقة، والقديمة المتجددة والمستعصية في ظل تسويات وتفاهمات واتفاقات هشة، ثم يقابلها إعلان متبادل عن التنكر لها.
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة