الرئيسية/آراء/سقط الأسد بدأت المعركة «الأصعب»
آراء

سقط الأسد بدأت المعركة «الأصعب»

لقطة الشاشة 1446-06-06 في 8.57.43 م
📸لقطة الشاشة 1446-06-06 في 8.57.43 م
اليوم ميديا

نديم قطيش

سقط نظام الأسد. انتهى الأبد السوري المزنر بالسجون والقتل والمنافي، وطوى السوريون أسوأ ما عرفته سوريا في تاريخها الحديث. لحظة لا يمكن إلا أن تكون لحظة فرح عارم، لكل أمّ فقدت ابنها تحت التعذيب، ولكل أب رأى بيته يُهدم أمام عينيه، ولكل طفل نشأ في كنف جمهورية الرعب دفن السوريون نظاماً صادر الصوت والروح في البلاد وأبعد.

للسوريين أن يفرحوا. لهم أن يتنفسوا هواءً خالياً من بيت الأسد. ولهم أن يحلموا بغد أفضل. لكن لا حدود للخوف على سوريا والمنطقة من وهْم الاعتدال الذي تتلبسه تنظيمات التطرف.

لنتذكر أن ما قيل عن الخميني عام 1979، وما دُبج عن ديمقراطية «الإخوان» واعتدالهم بعد سقوط نظام الرئيس حسني مبارك، يتجاوز بكثير ما يُمتدح به أبو محمد الجولاني. هذا تاريخ نعرفه ونعرف مآلاته.

شكلت عودة الخميني عام 1979 لحظة محورية في تاريخ الشرق الأوسط والعالم. استُقبل الرجل العائد من منفاه في باريس، كقائد يجمع بين العمامة الدينية وقيادة حراك جماهيري واجتماعي. قُدم على هيئة من يختصر ثورة العدل ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي، ويفتح طريق الإيرانيين نحو الحرية والعدالة.

النشوة الجماهيرية والنخبوية والسياسية التي رافقت عودة الخميني تجاوزت إيران إلى نطاق عربي وإسلامي ودولي واسع، لكنها سرعان ما خبت حين تبدت ألوانها.

أما في أقرب ذاكرة، فلا ينبغي أن يفوتنا أنه بعد سقوط نظام حسني مبارك في مصر عام 2011، تعهّدت جماعة الإخوان المسلمين بعدم السعي إلى السلطة التنفيذية، وأنها لن ترشح أحد أعضائها للانتخابات الرئاسية. بيد أن تنظيم الإخوان لم يكتفِ بترشيح الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، بل سعوا بعد وصولهم إلى السلطة إلى «أخونة» الدولة المصرية، وأدلجة بيروقراطيتها. في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، أصدر مرسي إعلاناً دستورياً منحه سلطات مطلقة، وحصّن قراراته من الطعن القضائي، وعزل بموجبه النائب العام ليعيّن بدلاً منه شخصاً موالياً، كما حصّن الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى من الحل.

لم يكن الإعلان إلا خطوة أخرى نحو الاستبداد، تحت عنوان حماية الثورة من القوى المضادة، أدت إلى خروج مظاهرات ضخمة معارضة أجبرت مرسي على التراجع وإلغاء الإعلان في ديسمبر (كانون الأول) 2012. وإذ استمرت الأزمة السياسية التي أشعلها الإعلان الدستوري؛ تأكّلت شعبية مرسي و«الإخوان»، ومهّدت لإطاحته في يوليو (تموز) 2013.

في السياق السوري، يبرز أبو محمد الجولاني، زعيم «هيئة تحرير الشام»، عنواناً لتحول سياسي عملاق في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد. وتلعب جماعته المصنفة منظمة إرهابية من قبل دول غربية وإسلامية ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، دوراً قيادياً في المشهد السوري الجديد، في حين يُطرح حولها من الأسئلة أكثر بكثير مما تتوفر إجابات شافية.

مما لا شك فيه أن نظام الأسد أفرغ سوريا من بنى نظامها، كما من بنى ثورتها طوال 13 عاماً من القمع والقتل والتنكيل والتفريط في سيادة البلاد، وهو ما سمح للجولاني بدعم تركي وغيره من تصدر المشهد.

يحاول الجولاني اليوم أن يُعيد صياغة صورته عبر تغييرات ظاهرية في خطابه وسلوك جماعته، من تعيين شخصيات رمزية مثل مطران حلب محافظاً للمدينة، إلى ضبط سلوك المسلحين في الشوارع تجاه الأملاك العامة والخاصة وأرواح المدنيين. لكن هذه الخطوات، رغم كونها غير مسبوقة من قبل «هيئة تحرير الشام»، تثير أسئلة أعمق حول ما إذا كنا أمام تحول حقيقي أم مجرد مناورة سياسية محكومة بضرورات اللحظة وما تمليه من حاجة إلى التكيّف التكتيكي.

وعليه، فإن تجربة الجولاني، إذا كانت مجرد مناورة، فهي تنطوي على خطرٍ وجوديٍ على مستقبل سوريا كدولة تعددية، وتمهّد لاستبدال استبداد بآخر، بعيداً عن العدالة والحرية التي ينشدها السوريون.

سوريا التي تقف اليوم عند مفترق طرق تستحق بناء مشروع وطني جامع يعبر عن كل مكونات المجتمع السوري، ويحول دون انزلاق البلاد إلى حكم شمولي جديد، سواء تحت راية الأسد أو راية آيديولوجية متطرفة. سوريا تستحق مستقبلاً يليق بتنوعها وغناها الثقافي والإنساني، وليس مجرد تبديل للأقنعة.

الفرحة بسقوط نظام الأسد مستحقة، لكنها لا تكفي. فمعركة سوريا الحقيقية بدأت الآن، والنضال كي لا تُسرق أحلام أبنائها أوجب وأصعب.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
نديم قطيش سقط نظام الأسد. انتهى الأبد السوري المزنر بالسجون والقتل والمنافي، وطوى السوريون أسوأ ما عرفته سوريا في تاريخها الحديث. لحظة لا يمكن إلا أن تكون لحظة فرح عارم، لكل أمّ فقدت ابنها تحت التعذيب، ولكل أب رأى بيته يُهدم أمام عينيه، ولكل طفل نشأ في كنف جمهورية الرعب دفن السوريون نظاماً صادر الصوت
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة