الرئيسية/آراء/تل أبيب ــ دمشق… سقوط الضمانات
آراء

تل أبيب ــ دمشق… سقوط الضمانات

لقطة الشاشة 2024-12-12 في 4.07.53 ص
📸لقطة الشاشة 2024-12-12 في 4.07.53 ص
اليوم ميديا

مصطفى فحص

منذ اللحظة الأولى لدخول قوات المعارضة السورية المسلحة العاصمة السورية دمشق وإسقاطها نظام بشار الأسد، صعّدت تل أبيب عمليتها العسكرية ضد الدولة السورية برّاً وجوّاً وبحراً كأنها تشن حرباً شاملة عليها، الأمر الذي يثير ريبة سياسية واستراتيجية في الأسباب التي دفعت تل أبيب إلى هذا التصعيد الخطير والتلويح بالاقتراب برّاً من العاصمة دمشق.

المتغير الميداني السريع من قبل الإسرائيلي لا يمكن فصله عما يمكن تسميته سقوط الضمانات التي هندست العلاقة ما بين تل أبيب ونظام الأسدين منذ اتفاقية فك الاشتباك بينهما سنة 1974 بإشراف وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر، وبعض بنودها السرية والتفاهمات الجانبية التي ظهرت في وثائق إسرائيلية وأميركية تم كشفها إلى العلن بعد مرور 50 سنة على الاتفاقية بين الجانبين، إضافة إلى وثائق كشفها نائب رئيس الجمهورية الأسبق عبد الحليم خدام بعد انشقاقه عن النظام.

الواضح من هذه الوثائق أن نظام دمشق التزم ضمنياً للطرفين الأميركي والإسرائيلي بعدم التفكير حتى بالعودة إلى القتال، وهذا واضح من خلال تفاصيل عسكرية حساسة حول حجم القوات السورية المنتشرة ونوعية سلاحها، ليس فقط على طول خط الاشتباك وإنما حتى وراء المنطقة العازلة. في المقابل، كان هناك تعهّد أميركي – إسرائيلي باستقرار النظام ولعب دور إقليمي بعيداً عن الجولان، وهذا فعلاً ما أدى إلى تغير في طبيعة الجيش السوري وإلى استقرار كامل على هذه الجبهة حتى آخر لحظة من عمر النظام السوري.

معادلة هدوء الجولان مقابل استقرار النظام كانت الالتزام الاستراتيجي الأوحد للأسدين حتى في ذروة النفوذ الإيراني وحرب الإسناد التي أُعفيت جبهة سوريا منها. فقد لعبت هذه المعادلة دوراً شبه حاسم في حماية النظام وبقائه، على الرغم من كل الأحداث التي تعرض لها، من حماة إلى إضراب دمشق إلى توريث الجمهورية، مروراً باغتيال رفيق الحريري وصولاً إلى ثورة الشعب السوري باستخدام الكيماوي وتخطي خطوط باراك أوباما الحمر. كما كانت عاملاً أساسياً لدوره في لبنان منذ سنة 1976، حيث دخل إلى لبنان بمهمتين: الأولى أميركية لضرب الحركة الوطنية، والثانية إسرائيلية لضرب المقاومة الفلسطينية، وجعل لبنان ورقة تفاوضية تحت ذريعة وحدة المسار والمصير التي تفككت بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني سنة 2000.

إذن بالنسبة إلى تل أبيب، التي اضطرت نوعاً ما إلى رفع التزاماتها في حماية نظام الأسدين نتيجة عوامل إقليمية ودولية فرضت نفسها على المنطقة، اندفعت بالمقابل إلى فرض ما تعده ضمانات لها كان نظام الأسد يؤمنها. لذلك، هي مستمرة في تدمير جميع البنية العسكرية للجيش السوري وإنهاء قدراته لدرجة توازي عسكرياً القرار الأميركي بحل الجيش العراقي، الأمر الذي قد يؤدي إلى عدم قدرة السلطة الجديدة في دمشق على فرض الاستقرار، وقد يؤدي إلى فوضى مناطقية وعنف، وحتى إلى التقسيم، وهذا ما تريده تل أبيب.

استراتيجياً، فإن عملية التدمير الممنهج للقدرات العسكرية الثقيلة لدى الجيش السوري، التي لم تمسها تل أبيب قبل 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حيث كانت جميع ضرباتها ضد منشآت تابعة لإيران وميليشياتها، عملية عسكرية استباقية لمنع إعادة تكوين قدرات عسكرية سورية قادرة يوماً ما على مواجهة تل أبيب داخل الأراضي السورية المحتلة، التي تتوسع أكثر الآن ضمن مخطط ضم خطير. وهي مبنية على عدم ثقة استراتيجية طويلة الأمد بأي نظام أغلبي في دمشق له روابط عميقة مع الشعب الفلسطيني وقضيته.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
مصطفى فحص منذ اللحظة الأولى لدخول قوات المعارضة السورية المسلحة العاصمة السورية دمشق وإسقاطها نظام بشار الأسد، صعّدت تل أبيب عمليتها العسكرية ضد الدولة السورية برّاً وجوّاً وبحراً كأنها تشن حرباً شاملة عليها، الأمر الذي يثير ريبة سياسية واستراتيجية في الأسباب التي دفعت تل أبيب إلى هذا التصعيد الخطير والتلويح بالاقتراب برّاً من العاصمة دمشق.
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة