الرئيسية/آراء/كرد سوريا وشيعة لبنان
آراء

كرد سوريا وشيعة لبنان

لقطة الشاشة 2024-12-16 في 7.46.33 م
📸لقطة الشاشة 2024-12-16 في 7.46.33 م
اليوم ميديا

محمد الرميحي

ما يتكشف على الأرض في سوريا أنه جرت مذابح هائلة، حتى أكثر المتشائمين، لم يكن يقدر مدى فداحتها، وما عرفه العالم حتى الآن ما هو إلا رأس جبل الثلج، حكم طائفي إبادي، شعاره تغييب الخصوم، وكما قال صديق في المعارضة السورية (إنه أسوأ حكم مر على سوريا منذ الفتح الإسلامي)!

تاريخ ذلك الحكم يُترك للسوريين لنبش عفنه الذي يزكم الأنوف، ماذا عن المستقبل، وخاصة ترتيب الحكم الجديد مع بقية المكونات السورية؟

سوريا بها ست عشرة ملة عرقية وإثنية، عرب، وأكراد، وتركمان، وشركس، وأرناؤوط، ودروز، وشيعة، وعلويون، ومسيحيون، وإسماعيلية، ومرشديون، إيزيديون وغيرهم، تكبر تلك المكونات أو تصغر، والسنة فيها أغلبية، كما أن سوريا (الشام) تاريخياً بلد مهاجرين، لذلك أكبر حي في دمشق اسمه (حي المهاجرين)، معظم القوى المسلحة التي وصلت إلى السلطة هم السنة، وهناك فصيل مسلح كردي.

الظاهرة الاجتماعية الأهم في سوريا أن كل تلك المكونات تكاد تكون ذائبة مع بعضها في النسيج الاجتماعي السوري، في المدن والبلدات المختلفة، أي أن القليل من تلك المكونات له جغرافيا واحدة، والذي يجعل الجميع يحمل الصفة العربية بشكل عام، فليس أمام السوريين إلى المستقبل إلا دولة وطنية جامعة.

مشكلة الأكراد أن لهم الحلم القديم في إقامة دولة كردية، وهي القضية التي تشغل كل دول الجوار، الكرد في سوريا أقل المجموعات الكردية في الإقليم، الغالبية في تركيا، والبعض في العراق وفي إيران، على اختلاف الأرقام المتوفرة، والمنطقة الجغرافية التي يتموضع فيها كرد سوريا، ليست كردية صافية، بل فيها عرب وتركمان وربما أكثرية، فسوريا من المستبعد أن تكون ذات كيان كردي مستقل، وجودهم مسلحين في العشرية السابقة كان وظيفياً، وقد انتهى بحدوث التغيير.

تركيا تخوض صراعاً طويلاً مع حزب كردي يرفع شعار الدولة الكردية هو حزب العمال الكردي، وهو مصنف على أنه إرهابي، وتاريخ الصراع الكردي التركي طويل، حاولت تركيا أن تحتويه في أكثر من مرحلة، إلا أن ليس كل الأكراد في تركيا هم ذلك الحزب، فبعضهم مشارك في حزب العدالة والتنمية الحاكم (ستون نائباً من الحزب أكراد) وهناك حتى لحزب العمال ممثلون تسعة في البرلمان التركي، وقيادات تاريخية تركية، منهم رئيس الوزراء توركت أوزال، أبو الإصلاح الاقتصادي، واليوم محمد شمشك عرَّاب الاقتصاد الحالي في الوزارة القائمة.

في سوريا أيضاً كان في الحكم أكراد، شكري القوتلي، وحسني الزعيم، وأديب الشيشكلي، ورئيس الوزراء محسن البرازي، فليس أمام المكون الكردي السوري غير الدولة الوطنية، وجوده مسلحاً يزعج الأتراك ويعرض قيام الدولة السورية الوطنية للخطر.

وضع الكرد في العراق مختلفة ظروفه، وقد قادت إليه حماقات صدام حسين، وتدخل دول في الجوار، ولكن ليس مرشحاً أن يكرر، حتى محاولة الاستقلال في الاستفتاء عام 2017 فشلت، فليس أمام كرد سوريا إلا الانخراط مع غيرهم في الدولة المدنية.

في لبنان هناك ثماني عشرة طائفة، استقوى على الجميع تقريباً «حزب الله» في مرحلة سابقة بسبب التدخل الإقليمي وبسبب الإغواء أو التخويف، وشعارات زاعقة، مما أوصل لبنان إلى الدولة الفاشلة، والاقتصاد المعوق، بعد التطورات الأخيرة ليس لشيعة لبنان إلا الدولة الوطنية الجامعة، بصرف النظر عن مرارة الماضي ومآسيه التي حملتها الأطراف الأخرى، دون ذلك فإن الوضع الإقليمي والدولي لن يسمح للحزب أن يكون مسلحاً يتحكم في الدولة كما كان، أو مهدداً للسلم الاجتماعي اللبناني، وكلما وصلت قياداته لهذه النتيجة، كان أفضل لها وللآخرين.

العنوان الأهم في كل هذه المرحلة الضبابية السابقة في عدد من الدول العربية على رأسها لبنان وسوريا وأيضاً العراق واليمن، هو رفض مكون أو أكثر السماح بالتساكن والعيش المشترك مع المكونات الأخرى في الوطن، ومحاولة فريق، تحت شعارات مختلفة، الاستحواذ على السلطة والثروة، وتهميش الآخرين، بل في بعض المناطق تصفية قياداتهم.

تلك المعادلة يكاد وقتها أن ينتهي، فلا مناص من الدولة الوطنية القانونية العادلة، غيرها استمرار صراع الطوائف، وإضعاف الأوطان وتعرضها للاختراق.

لذلك، فإن النظام الجديد في سوريا ليس له طريق للنجاة والاستمرار إلا ذلك الطريق، الدولة الوطنية القانونية والتي تضم كل المكونات، تحت سقف واحد وبمسطرة قانونية واحدة.

ليس سهلاً صناعة الحداثة في الدولة التي خرجت من جب الاستحواذ والاستبداد، ومع صعوبة العملية إلا أنها تستحق العمل الجاد تجاهها وأمام سوريا تحديان ضخمان، على الأقل الملف الاقتصادي، الذي يحتاج إلى حل سريع، وملف رأس المال الوطني الذي هاجر.

من هنا تأتي أهمية احتضان العرب لسوريا الجديدة، وخاصة العرب الأقرب، وهي دول الخليج والأردن ومصر، هي محاولة تستحق أن تخاض وبالسرعة اللازمة من أجل مساعدة سوريا في المرور الآمن بالمنعطف الخطير.

آخر الكلام: الليالي حبلى والإدارة الأميركية القادمة صعب توقع توجهها، بالتالي على العرب أن يبادروا لحفظ الأمن والسلام في إقليمهم، وسوريا واسطة العقد.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
محمد الرميحي ما يتكشف على الأرض في سوريا أنه جرت مذابح هائلة، حتى أكثر المتشائمين، لم يكن يقدر مدى فداحتها، وما عرفه العالم حتى الآن ما هو إلا رأس جبل الثلج، حكم طائفي إبادي، شعاره تغييب الخصوم، وكما قال صديق في المعارضة السورية (إنه أسوأ حكم مر على سوريا منذ الفتح الإسلامي)! تاريخ ذلك الحكم
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة