الرئيسية/آراء/ممرات الشرق الآمنة ما بعد الأسد
آراء

ممرات الشرق الآمنة ما بعد الأسد

لقطة الشاشة 2024-12-11 في 11.15.17 ص
📸لقطة الشاشة 2024-12-11 في 11.15.17 ص
اليوم ميديا

مصطفى فحص

في تغريدة له على منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، كتب رئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط» الأسبق، الكاتب السعودي الأستاذ طارق الحميد، قائلاً: «ملاحظة بسيطة لكنها جوهرية: بمقدوري كسعودي الآن أن أقود سيارتي من الرياض إلى قلب بيروت مروراً بدمشق، وهو شيء كان شبه مستحيل لأن ما دونه مخاطر طوال خمسين عاماً».

الحميد، في تغريدته، لم يعبر حدود العالم الافتراضي فقط، بل عبر حدوداً دولية كانت صعبة ومعقدة لعقود. يجوز في بعضها القول: «الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود». وهي الحدود السورية إبّان حكم «البعث»، التي حوَّلها نظام الأسد إلى جدار عازل بين شرق المتوسط وجنوبه، وصولاً إلى تخوم آسيا الوسطى وأوروبا.

العابر السعودي أو الخليجي إلى بيروت أو بغداد أو إسطنبول ليس بالضرورة سياسياً أو اقتصادياً، بل هناك معنى اجتماعي وإنساني يكشف عن عمق الصلات والمشتركات الاجتماعية والروحية بين هذه الشعوب. هذا الطريق، الذي كان لقرون طريق الحجيج إلى مكة، والزوار إلى بيت المقدس، بنيت خلاله علاقات أسرية ومصاهرات وتجارات بسيطة، ولكنها عمّقت الروابط بين العابرين ذهاباً وإياباً، وبين أهالي تلك المناطق، منذ أن بدأت القوافل بنقل التوابل من الهند والحرير من حلب.

إذن، ليست مبالغة سياسية أو جيوسياسية القول إن سقوط النظام السوري هو سقوط الجدار العازل بين سوريا التاريخية وفضائها الجيوسياسي والجيواقتصادي. وهو أيضاً بمثابة سقوط الجهة الشرقية لجدار برلين، الذي سقط معه آخر الأنظمة المتبقية من زمن الحرب الباردة والمعسكر الاشتراكي. الأمر الذي يفتح طرق التجارة والممرات السياسية بين شعوب ودول المنطقة، خصوصاً العربية، ويعيدها إلى خريطة التنافس الاقتصادي ككتلة اقتصادية ضخمة منتجة، وأسواق تجارية.

فعلياً، سقوط نظام الأسد يعيد فتح طرق كانت غير سالكة أو غير آمنة، متفرعة من ممرات الهند الجديدة ذهاباً، ويعيد وصل الممرات المقطوعة على طريق الحرير القديم والجديد من الصين إلى الشرق الأوسط إياباً. ويمكن ربط ذلك بمشروع «طريق التنمية» أو «القناة الجافة»، وهو مشروع عراقي للربط سككياً وبرياً بين تركيا وأوروبا شمالاً والخليج العربي جنوباً، لنقل البضائع بين الخليج وأوروبا، والذي أطلقه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

المتغير السوري فتح أبواب الجغرافيا السورية على مصراعيها من الرياض إلى حدود القوقاز، وصولاً إلى أوروبا. ومن ممرات الهند الجديدة إلى ميناء جدة، ومنه إلى ميناء بيروت، الذي لديه فرصة تاريخية ليعود مرفأً لدمشق وبغداد وعمان عبر الجغرافيا السورية المحررة من قيود الآيديولوجيا وتموضعاتها السياسية التي فرضها نظام الأسد وتحالفاته على المصالح المشتركة لشعوب المنطقة.

استعادة الجغرافيا السورية تفسح المجال لإعادة النظر في طريقة تشغيل خطوط نقل الطاقة من مناطق الإنتاج إلى سواحل التصدير، خصوصاً خط التابلاين من حفر الباطن في السعودية إلى مصفاة الزهراني في جنوب لبنان، وأنبوب النفط العراقي من كركوك إلى مصفاة طرابلس في شمال لبنان. وهي فرصة ذهبية للبنان، دولةً وشعباً، بأن يستعيد دوره الاقتصادي التاريخي على ساحل المتوسط. وهذا يفترض إعادة بناء سلطة سياسية جديدة قادرة على استعادة الثقة العربية بدوره.

وعليه، في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، أعادت شعوب المنطقة اكتشاف الجغرافيا بممراتها الآمنة ومصالحها المشتركة، بعد نصف قرن استُخدمت خلاله لتصدير الأزمات والعنف والمخدرات.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
مصطفى فحص في تغريدة له على منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، كتب رئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط» الأسبق، الكاتب السعودي الأستاذ طارق الحميد، قائلاً: «ملاحظة بسيطة لكنها جوهرية: بمقدوري كسعودي الآن أن أقود سيارتي من الرياض إلى قلب بيروت مروراً بدمشق، وهو شيء كان شبه مستحيل لأن ما دونه مخاطر طوال خمسين عاماً». الحميد، في تغريدته،
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة